إذا خرجت الأمة من مدار السباق الحضاري والتقدم التقني شغلت بالمصطلحات وبالتعريفات والتصنيفات.

دخول الأكاديمي إلى الساحة الشعبية

 

إذا خرجت الأمة من مدار التنافس الحضاري والتقدم التقني، شُغلت بالمصطلحات وبالتسميات والتصنيفات. فيتنازع مثقفوها، مثلاً، في ماهية المصطلحات المتداولة وحدودها ونطاقها، وما يندرج تحتها وما لا يندرج، أي هل هي جامعة مانعة أم لا. ذلك لأنها (أي الأمة) لم تكن طرفًا مشتركًا في صناعة مقتضى هذه المصطلحات ولا تعرف كنهها جيدًا وليس لدى منتجها الاستعداد الكافي للإفصاح عنه. فالمصطلحات أصبحت سرًا من أسرار العلم يشغل به غير أهله. أما أهله فلا يشكل لهم المصطلح أي عائق، إذ هو يأتي بعد المعرفة والتجربة. وقس على المصطلح ، في هذا الشأن، التعريف والتصنيف.

 

من نتائج الخوض في هذه الشكليات، قُسم العلم (أو المعرفة) بشكل صارم إلى فروع شتى توحي للمتابع أن لا صلة بينها ولا رابط يربطها. بل تعدى التقسيم إلى النّاس كافة، فصنفوا بطريقة توشك أن تؤصد كل أبواب التواصل المرغوب بينهم. ولا ضير في التصنيف، إذا فهم على حقيقتيه، إذ هو لازم للحياة من نواح شتى ليس أقلها توفير أسباب العيش لبني الإنسان على وجه الأرض. لكن أن يؤخذ بقوة ثمّ يؤصّل ثمّ يزرع في النفوس بشكل لا يوحي بصحة مذهب غير ذلك، فهذا ما لا تحمد عقباه للعلم وللناس على حد سواء. فالعلم بعضه رافد لبعض، والنّاس كذلك.

 

قادني إلى هذه التداعيات ما أراه في بعض الصحف من دعوى اجتياح المثقف الأكاديمي للساحة الشعبية لأهداف من أولها طلب الشهرة. ربما يكون هذا هو السبب الذي جعل جريدة الرياض ممثلة في خزامى الصحاري تفتح الباب لمن شاء القول بما يفيد في هذا الأمر. فأقول وبالله التوفيق، أنه لا ضير من دخول الأكاديمي الساحة الشعبية من عدة وجوه:

 

أولها: أن الساحة الشعبية (كغيرها من الساحات) ليست حصرًا على فئة معينة من البشر لكي نحذر من دخول غيرهم إليها.

 

ثانيها: أن هذا الأكاديمي المتهم هو أحد أفراد البيئة التي نعيشها ومن حقه النظر فيما يحلو له فيها بشرط الالتزام بما هو معلوم.  فإذا ما حصرنا القول في حقه في دخول الساحة الشعبية المتعارف عليها لدينا، وجدناه أما شاعرًا يجيد القول بلهجتها، أو أبن لشاعر لا يجارى في ميادينها، أو  أبن لمتذوق لا ينام الليل قبل أن يستمع لبعض قصصها وأبياتها التي تطربه وتختزل بعض همومه، أو يكون هو متذوقًا لبعض ما يسمعه من شعرائها. أفبعد هذا يجوز لنا زرع الشوك في طريقة بحجة بعده عن مفاهيمها وأسرارها.

 

ثالثها: أن من فوائد دخول الأكاديمي ناقدًا إلى الساحة الشعبية مع غيره من النقاد، إثراءها بلغة فصحى يستفيد منها كل مهتم، بل وتُبقي هناك قناة للتواصل بين ما هو فصيح وما هو غير ذلك. فالمفترض في الأكاديمي أن يكون نصيبه من اللغة وافرًا وأن تكون له أدواته النقدية التي تعينه على العطاء والمشاركة. هذا على ما يتحلى به من الصبر والجلد جراء الممارسة والدربة على البحث والتدوين. وما أخشاه أن يعقب التخوف من دخول الأكاديمي إلى الساحة الشعبية، الدعوة إلى النقد باللغة العامية فيزداد الحال سوءًا والحل صعوبة.

 

رابعها: لا أرى تواجدًا ملفتًا للنظر من  الأكاديمي في الساحة الشعبية، في الوقت الراهن، بل على العكس هناك إحجام واضح عنها. والأولى أن يشارك الأكاديمي غيره في النقد والتقويم والتصحيح والنصح ما استطاع إلى ذلك سبيلا، يعينه على ذلك ما تعلمه من مناهج علمية في مجاله قد تكون صالحة للتطبيق على معطيات البيئة التي هو فيها.

 

خلاصة القول: أن العلوم والمعارف (والشعر منها) انسيابية الطابع يصب بعضها في بعض. والنّاس هم ناقلو هذه العلوم والمعارف. فإذا لم تكن العلاقة بينهم كتلك التي بين العلوم، حصل التصادم الذي يقود إلى الإفلاس.

 

د. ظافر بن علي القرني

 

عضو هيئة تدريس بجامعة الملك سعود

كلية الهندسة

 القسم المدني

 

كتبت بعد طلب المشاركة في هذه القضية من قبل جريدة الرياض، ونشرت بها. 

 

 

 

عدد زوار الموقع

جميع الحقوق محفوظة 1426 هـ