الالتفات
إلى الثقاقة
عادة
ما نؤخذ بالأسماء والمصطلحات والأهواء والرغبات والتخصصات فنتجادل في أمور كمسمى
الوزارة الجديد، هل يكون الثقافة والإعلام أم الإعلام والثقافة، وأيهما الأهم، وما
نصيب كلٍ منهما من الحقوق والواجبات. وننسى في خضم ذلك أن العبرة بالإنجاز لا بصحة
الأسماء وجمالها على مال ذلك من أهمية. وفي تصورنا إن الإعلام إن لم ينطلق من بيئة
ثقافية واعية متزنة قوامها العلم القويم الرَّاشد القائم على المعلومات الصحيحة
السليمة، وهمها استشعار مكانة الأمة وكيانها، وهدفها بذل الجهد للبحث عن الحقيقة
وقول الحق، جاء إعلامًا ميتًا أو مسخًا أو نشازًا مهما تهيأت له بعض الأسباب
الموهمة للترقي والازدهار. لقد جاء الالتفات إلى الثقافة –تصريحًا- عندنا متأخرًا
بعض الوقت، فأمة بلا ثقافة هي أمة بلا علم، وإمة بلا علم هي أمة بلا ثقافة. وما
الإعلام – في معظمه- إلا قناة من قنوات بث الثقافة المفعمة بالعلم، أو قل العلم
المفعم بالثقافة بطريقة تختصر الزمان والمكان عبر تقنية متطوّرة لا يقف تطورها عند
حد. وإن من أول بشائر بث الثقافة بين الناس أن يُهتم بالكتاب من قبل فئات الأمة
كافة. فإذا رأيت للكتاب سوقه وانتشاره كما للخدمات الأخرى سوقها وانتشارها، فاعلم
أن الأمة إلى خير. وإن بقي الكتاب مهجورًا منعزلاً بقيت الأمة في معاناتها تكابد دون
الوصول إلى الأهداف المنشودة. وأدلتنا فيما نقوله كثيرة جدًا نكتفي بواحد منها ألا
وهو حال الكتاب في الأمم المتقدمة تقنيًا في عالم اليوم. إن للكتاب لدى هذه الأمم
شأنًا لا يكاد يضاهيه أي شأن من الشؤون الأخرى على الرغم من خطورتها. ولذلك فليس أفقر
هؤلاء القوم هو من يهتم بتأليف الكتاب وإقتنائه كما هو الحال لدينا، بل هو من أغناهم.
ولا شك أن الحضارات الصناعية لديهم لم تبن إلا على الكتاب وإن أخذت تتحور اليوم في
معطياتها ومخرجاتها وتقدم لنا المعلومة في أشكال متعددة متلونة. ولابد أن نعي أننا
مالم نقبل بثقافتنا على الآخرين، أقبلوا علينا بثقافاتهم وأُشربناها طوعًا أو
كرهًا، فماعادت المعلومة تقف على الحدود ليؤذن لها بالدخول، إنها تقتحم الدَّيار
اقتحامًا، بل إنَّها ربما استوطنت المنازل البعيدة قبل المجاورة ووجدت لها فيها
مرتعًا خصبًا مغريًّا بالمزيد.
أ. د. ظافر
بن علي القرني
أستاذ هندسة
المساحة الرقمية ونظم المعلومات الجغرافية
جامعة الملك
سعود.
1425هـ
نشرت في جريدة الجزيرة