في سبيل النمو المتكامل للسياحة الداخلية
تعتبر قضية الاصطياف من أهم القضايا التي يناقشها المنتدون في حلقاتهم والكتاب
في كتاباتهم، ويركز عليها الإعلام بشكل واضح في الأشهر الصيفية المعلومة.
والحديث عن مصائفنا بصفة عامة ذو شجون، وهي بفضل الله في تنام مطرد وتحظى
باهتمامٍ بالغ من المسؤولين في هذه البلاد، حيث أن القضايا التي تناقش
والمقترحات التي تُطرح لم تغب عن أعينهم، يلمس ذلك من يتابع ما ينشر في وسائل
الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة. لكن لا حرج في تعدد الآراء وفي تكرار
طرحها إذ في ذلك فوائد كثيرة، منها أنه لا يمكن أي كاتب الإلمام بكل أطراف
القضية فيما يطرحه، ومنها أيضاً مساعدة المسؤول على تلمس حاجات الناس وترتيب
الأولويات في شئون الاصطياف، وغير ذلك كثير.
والمعلوم أن الأنظار تتجه في وقت الصيف إلى المناطق المتتالية من الطائف إلى
أقصى عسير، لما تتميز به من جو ممتع وطبيعة ساحرة تضاهي أماكن كثيرة في العالم.
ومن المعلوم أيضاً أن أمام المصطاف سبيلين لبلوغ هذه الأماكن: إمّا عن طريق
الجو أو عن طريق البر. ولا يمكن للطريق الأول أن يفي بالغرض لأسباب منها، على
سبيل المثال، عدم التزام المسافرين بمواعيد معينة للسفر، ومن ثمّ الحجز على
أكثر من رحلة، ومنها ضيق الوقت المحدد للسفر والعودة، ومنها تزايد أعداد
المصطافين من عام لعام. زد على ذلك أن السفر بهذه الوسيلة يجعل السياحة محدودة
الزمان والمكان فلا يتمتع المسافر بالتنقّل بين أماكن الاصطياف الممتدة على
أكثر من 600
كم. وإذا ما نظرنا إلى الوسيلة الثانية، نجد أنها شبه معطلة إلا إذا كانت
المحطة النهائية للمصطاف هي الطائف وما حولها. وما ذلك إلا لأن الطريق الذي
يربط الطائف بأقصى الجنوب ذو اتجاه واحد ضيق، خطر، لا ينجو منه من يجهل
منعطفاته وطبيعته. كما إن هذا الطريق ترتاده المركبات كافة الصغيرة منها
والكبيرة والخفيفة والثقيلة مما يجعل التحرك عليه عشوائياً ومربكاً. ولك أن
تتصور وقوعك خلف ناقلة محمّلة بأطنانٍ من الحديد، مباطحة لجبلٍ شديد الارتفاع
ولا يخلو من منعطفات. هذه الناقلة لا تكاد تتحرك، وأنت تغلي مراجلك خلفها في
سيارتك الخفيفة التي لا تكاد تقاوم الرياح. ولا يمكنك التجاوز إذ السيارات
القادمة من اليسار تتتالى بسرعة عجيبة تنم عن فقدان السيطرة على أغلبها، على ما
يبدو. ومن يحسب أن هذا ضرباً من الخيال فليجرب بنفسه أو يسأل من سبقه بتجربة.
وعلاوةً على ما سبق، فإن شقي الطريق غيرا متكافئين ، إذ الجانب الأيمن منه،
للمسافر من الطائف، مليء بالحفر والعيوب رغم محاولة إصلاحه وما ذاك، حسب ظني،
إلا لعدم تَقيّد الناقلات الكبيرة بالوزن المحدد لها في حمولتها. إن لم يكن
ذلك، فلماذا لم يتأثر الطرف الأيسر من الطريق كأيمنه. هذه الملاحظات بعض مما
رأيته ذهاباً وإياباً في تجربة لن تتكرر في القريب العاجل بأي حالٍ من الأحوال.
إذن الاعتناء بالمناطق السياحية من حيث الخدمات لا يكفي إذا ما كان هناك حائل
بين المصطاف وبينها. إن الاهتمام بتوسعة هذا الشريان المهم أمر في منتهى
الضرورة لما له من فضل على السياحة الداخلية التي نرى لها مستقبلاً مشرقاً بإذن
الله، فضلاً عمّا يؤديه هذا الطريق من خدمةٍ لجزء غالٍ من بلادنا على مدار
العام. إن مما يجعل السياحة الداخلية غير مشجعة لبعض الناس عدم إحساسهم فيها
بالسفر والتنقل بين أماكن مختلفة ورؤية أشياء مغائرة للمألوف. إذ كأني بالسائح
يسأل نفسه هل أقضي في مكانٍ واحد شهرين كاملين؟ إنها طويلة. لكن ما حجته لو
قلنا له أمامك من الطائف إلي أبها تتنقل بينها كما شئت جاعلاً للأماكن ذات
الخدمات الراقية وقتاً أطول من سواها. وما لم تدركه في هذا العام، تدركه في
العام المقبل. أو فلتقم في الطائف وما حوله صيفين متتاليين، وفي بني مالك
صيفاً، وفي زهران صيفاً، وفي غامد صيفاً، وفي خثعم صيفاً، وفي شمران وعليان
صيفاً، وفي بني قرن صيفاً، وفي بني عمرو صيفاً، وفي بني شهر صيفاً وفي بني
الأسمر صيفاً، وفي بني الأحمر صيفاً، ثمّ تتوّجها بصيفين متتالين في أبها، ثمّ
تعيد الكرة إن لم تكن بلغت من الكبر عتيّا. ومثل هذا البرنامج لن يتم ما لم
يتغير حال الطريق آنف الذكر.
أعلم أن نفقة جعل هذا الطريق مزدوجاً باهظة جداً، لكن عائده سيكون كبيراً بإذن
الله. فما ينفقه المصطافون بالخارج أكثر تكلفةً من هذا. وما نرجوه للسياحة
الداخلية من نمو وازدهار لا تحول بيننا وبينه أكبر العقبات. ومتى ما أصبح هذا
الطريق مريحاً إلى حد ما، سنجد الإقبال الأكثر من المصطافين، إذ أن وسائل النقل
الأرضية متوفرةٌ لدى كثير من الناس في حالةٍ جيدةٍ، ومن الممكن استخدامها بدلاً
من الاعتماد على وسيلة الطيران وحدها. كما إن هذا سيُيسر مسألة انتشار
المصطافين في أماكن الاصطياف التي ذكرت بعضها آنفاً، ويزيد في مجال التنافس
بينها مما يجعل المصطاف يتمتع بوقته داخل وطنه، بين أهله وذويه، محافظاً على
أسرته ودينه وماله.
د. ظافر بن علي القرني
جامعة الملك سعود-كلية الهندسة
نشر في جريدة الجزيرة