التصنيف العشوائي: أسبابه وآثاره
إن مما يبعثر جهود الأمة الثقافية والاجتماعية
التناقض بين القول والعمل. ويكون انتقاد التناقض مشينًا عندما يأتي من قبل من
يمارسه على هدى أو على غيره -ومن منّا سالم من هذا. أكاد أجزم أن العربي مسلوب
الإرادة من جهة عاطفته لأسباب كثيرة متداخلة. وهو إن لم يمارس هذا السلب بنفسه عن
جهل منه مارسه عليه غيره بخبث فوقع من حيث لا يدري. أما نقرأ في القرآن الكريم
آيات كثيرة تحث على العمل والحركة والسعي في الأرض طلبًا للرزق بما يرضي الله جلّ
وعلا. أما نقرأ في سنة الرسول الكريم ما يشجع على العمل اليدوي وكسب الرزق كما كان
يفعل نبي الله داود وكما فعل نبينا -عليهما أفضل الصلاة والتسليم- في رعيه الغنم.
كلُّ هذا نقرأه ونفهمه ونؤمن به ثمّ ننتكس فنحقّر صاحب الحرفة الشريفة والعمل
الشريف من مثل ما اشتغل به الأنبياء عليهم السلام أو هكذا نهمس أو هكذا نضمر. هذا
التحقير رغم خفوته في الظاهر جعلنا –إلى جانب
غيره من الأسباب- نفقد أبجديات الصناعة ونصبح عالة على سوانا في كل شئ منها، بل
أصبح الصانع يلعب بالمصنوع وبالمشتري في سوق المال لعب الرياح بأغصان الشجر.
ونحن إذ فقدنا أبجديات الصناعة بتحطيم موهوبيها
بيننا وهم كثر، نوشك أن نفقد أبجديات اللغة بتصنيفها بحسب أهلها لا بتصنيفهم
بحسبها؛ فكيف يكون هذا؟ أما تقرأ المثل العربي الفصيح وتسمعه مسبوقًا بعبارات
غريبة مثل (يقول المثل الشعبي) أو (تقول العامة). أما تسمع الكلمة العربية الفصيحة
الجميلة من أمي منقطع إلاَّ من رحمة الله، في جبل مهجور إلاَّ من السباع والطيور
الجارحة، فيصنفها من يسمعها من حاملي الأقلام بقولهم (كلمة عامية أو شعبية).
ولوما أخشى أن يوحي ضرب الأمثلة بندرة الممثل له لضربت بعضها هنا.
فكيف وقعنا في مغبة تصنيف اللغة بحسب من نسمعها
منهم لا بحسب حالها هي. قد يكون من أسباب ذلك الفهم الخاطئ للفظي
"الخاصة" و "العامة" وما يتبع ذلك من مسؤولية ملقاة على كلِّ
منهم. ولا نبرئ الفلاسفة وأتباعهم في كلِّ زمانٍ ومكانٍ من وزر هذه المسألة. وهل
هناك أضل في العلم من متبعٍ لفيلسوف يضرب فكر بفكر ويبرر بألفاظه ما يعارضه
بأفكاره وأفعاله. لقد وسّع الفلاسفة الهوة بين الخاصة والعامة حيث أثقلوا هاتين
الكلمتين بمعانٍ فيها من الاستعلاء والتهوين ما يعمّق العزلة بين الجانبين ويجهّل
من هو على مقربة من أبواب العلم والمعرفة. ولو اكتفوا بقول "أهل التخصص
والعامة" أو ما شابه ذلك من كلمات لكان أجدى، والله أعلم.
إذا كان الخطأ الأول أفقدنا الصناعة، فالثاني
سيفقدنا اللغة. فاللغة لم يستحوذ عليها أهل خاصة في أي عصر من العصور بل هي حق
مشاع للناس جميعهم. وقد تجد عند الأمي منها ما لا تجده عند عالم معروف، وهذا
مشاهد. واللغة لا يحيط بها قاموس كما لا يحيط بها فرد. والتعجل في الحكم على
مفرداتها جهل، وتحجيمها جهل مثله، وخدمتها توجب خدمة أهلها باحترامهم وعدم الحطّ
من أقدارهم لوهم نتوهمه. والله المستعان.
د. ظافر بن
علي القرني
جامعة الملك سعود –كلية الهندسة-القسم
المدني
نشرت في مجلة لا أذكرها الآن.