لإشارة قبل
الأخيرة (1-2)
واقع الحركة المرورية عندنا لا يبشر بخير. فعلى الرغم من أن لغة
الأرقام لا يعتد بها كثيرًا في هذا الشأن، إذ أنه من غير الممكن رصد كل الحوادث
التي تجري في هذه القارة المترامية الأطراف، فضلاً عن الإحاطة بأضرارها الآنية
والمستقبلية، إلاَّ أن ما نقرؤه عن عدد الحوادث في اليوم الواحد، والإصابات
البالغة، والموت المفاجئ مذهل جداً، ومربكٌ لكل ذي عقل. والمرء بطبعه يرضى بما هو
فيه لجهله بغيره. والأمريكيون مثلاً لا يقولون مات فلان في حادث، بل يقولون قُتل،
وهم أعلم منّا بآلتهم التي صنعوها. على أية حال، يجب أن يسأل المرء منّا نفسه عن
مدى مشاركته في هذه الحوادث، مسبباً لها أو مخففًا منها ومن آلامها. والإجابة على
هذا السؤال ليست بالأمر السهل، إذ هو ذو علاقة بوعي الإنسان ومدى إدراكه للمشكلة
التي تحيط به من كل جانب.
والوعي بالحركة المرورية سيظل ناقصًا لدينا مادمنا لم نشارك في صنع
هذه الآلة التي نستخدمها، ولم نحاول تبسيط مفهومها للناس عامة. إذ هي شيء غريب على
البيئة، ولكل منّا تصوّر معين عنها، يختلف بحسب علمه ومعرفته بها. وقد يرقى هذا
التصوّر ببعضنا إلى أنها آلة تفكر وتتدبر بعض شؤونها ولها قدرات خارقة في ذلك.
وهذه مأساة، ولله الحمد. ومن يشك في هذا فما عليه إلاَّ التأمل في النظرة التي
ينظر بها عامة النّاس اليوم إلى الكومبيوتر. فعلى الرغم من أنه آلة لا تعمل في
الغالب أكثر مما يوجهها الإنسان به، إلاَّ أن بعض الناس ما أن تُذكر له، يقلع عن
النقاش في المسألة التي هو فيها، ظنًا منه أن لا جدال مع ما تقرره هذه الآلة وما
تخرجه من معلومات. هذه النظرة إلى الكومبيوتر اليوم صاحبت ظهور السيارة أمس بغرابة
أشد وبممارسة أعتى ما زلنا نلمس زخمها اليوم رغم خفوته في السنوات الأخيرة.
في هذا المقال الموجز أشير إلى بعض الأخطاء المرتكبة في حركة
المرور، وأطرح بعض الأفكار المقتضبة والمقترحات علّها تفيد من يطلع عليها من
القراء ومن المسئولين. فنقول وبالله التوفيق، إن مقومات الحركة المرورية، رغم
تعددها، تعتمد، في الأصل، على مقوّم واحد، هو الإنسان. إذ هو مصمم السيارة
ومستخدمها ومنشئ الطريق. فالإنسان عنصر أول يؤثر في بقية العناصر قبل أن تؤثر هي
فيه. فإذا ما صمم أو اشترى السيارة غير الملائمة، أو أساء استخدامها والتصرف بها،
وإذا ما وضع الطريق ومرافقها وخدماتها بطريقة عشوائية جاءت النتيجة مهلكة له قبل
غيره من الأشياء. إذن الوعي عامل أشمل في حركة المرور، به تنتظم العلاقة بين
مقومات الحركة المرورية المعلومة، بل به تستقيم أمور النّاس في كل مناشط الحياة.
ونظرًا للتقدم المطّرد في العمران لدينا نجد جلّ شوارعنا وإن شئت
فقل أحياء مدننا منشأة بطريقة لابد معها من خوض تجربة أولى مريرة لكل فرد، قد لا
يخرج منها بسلام. والذي عاش في أمريكا مثلاً يعرف أن السؤال من قبل السائق عن مكان
ما ليس بالأمر السهل، ولذلك أسباب عندهم ليس هذا مجالها. فالسائق أو الدّالف إلى
المدينة لديهم يعتمد على الخارطة في تحركاته وفي تحديد الأماكن التي يريدها
ويسترشد بأسماء الشوارع وبأرقام المباني إلى أن يصل إلى هدفه. كما أن المرء عندهم
يعمد إلى الاتصال بالجهة التي يريد مراجعتها قبل الخروج من المنزل، فيعرف موقعها،
وما يمكن أن تحتاجه منه من وثائق قبل الذهاب إليها. فترشده هذه الخارطة وتلك
الأسماء والأرقام والمعلومات في وقت قصير إلى بغيته دونما عناء. ولو وجدت لدينا
الخارطة المفصلة التي يرى كلٌ عليها بغيته، فهل بإمكان رجل الشارع توظيفها في
خدمته؟. وهل هناك أرقام للمباني يمكنه رؤيتها من بعد ليعلم أين موقعه و لترشده إلى
هدفه. ثمّ هل هناك من يجيب السائل عمّا تحتاجه الجهة الفلانية من وثائق أو أوراق
ليمكنه إحضارها كلها في المراجعة الأولى بدلاً من المجيء بها متفرقة في رحلات
مشتتة فيها ما فيها من المشقة والإرهاق ليس له فقط بل للمجتمع كله . لابد إذن من
إنجاز ما ييسّر حركة السير، ولا بد أيضًا من توعية النّاس وإعدادهم لمتغيرات العصر
السريعة المتلاحقة.
أمر آخر في شوارعنا هو أن أسماء بعضها إن لم يكن جلّها غير واضحة
للسائق، فلا يهتدي إليها إلاَّ الراجل أما الراكب فلا. فهي أما أن تكون متقدمة في
نحر الشارع أو يكون بينه وبينها حجاب طبيعي ثابت أو متحرك. لذا لا مناص من السؤال
من قبل السائق عن المكان الذي يريده. فإذا ما سأل كان الجواب مرهقًا له أيما إرهاق؛
فيقال له مثلاً "اترك العمارة البيضاء الشاهقة على يسارك، ثم لف من عند
المحطة الثانية يمينًا، ترى بعدها مستوصفًا لوحته سماوية وهكذا". فيشغل
السائق بمحاولة حفظ هذا الوصف المضني، وقد يختلط عليه الأمر فلا يعلم هل
المستوصف قبل المحطة أم المحطة قبل المستوصف. وتجده متوثبًا يكاد يخرج من نافذة
سيارته ليحدد تلك العمارة الطويلة وقد يسرح به الخيال فيتمنى مثلها، فيفاجأ بنفسه
في أخر الشارع، وهو لم ير المحطة التي بعد العمارة. فيعيد الكرة من جديد، هذا إذا
وثق بوصف من وصف له الطريق من قبل وسلم من وعثاء الوصف. وإن لم يثق عاود السؤال
مرة أخرى، وبدأ في المغامرة من جديد. فلا غرابة إذن أن ترى رأس السائق كأنه
"رادار" مركب على متنه، يحاول به تحسس شيء ما في محيطه. إنَّها ربكة حري
بها أن تقود إلى حادث مميت.
وقد يجد من يجيبه بقوله: "امش في هذا الشارع إلى أن تأتي
الإشارة قبل الأخيرة، ثم لف يمين". فيشكر السائل المسؤول، وربما انعقدت
بينهما أُولى أواصر الصداقة في تلك اللحظة. وينسيان أنه لكي تعرف الإشارة قبل
الأخيرة، لا بد من الوصول إلى الأخيرة أولاً ثم العودة إلى التي قبلها، وفي هذا ما
فيه من العنت والإرباك. ولا يقتصر هذا الوصف على الإشارة قبل الأخيرة، بل يشمل
الشارع قبل الأخير، والمحطة قبل الأخيرة، والمدخل قبل الأخير وغيرها من المعالم
الكثيرة التي لا يمكن معرفة مواقعها بالممارسة. إذن السائق لا ينصرف إلى قيادة
السيارة فقط، بل يشغل بغيرها من الشواغل والهواجس فيقع في الحادث دون ريب. ولذلك وغيره
لا تنقطع الحركة المرورية من شوارعنا ليل نهار، كما أن حوادثنا من النوع المفاجئ
التي لا يمكن لمن هو فيها أو من يشاهدها أن يصفها لمن حوله بيسر. ولعل هذا هو
السبب في شيوع عبارة: "كل يصلّح سيارته". وللحديث صلة.
د. ظافر بن
علي القرني
جامعة الملك
سعود
الهندسة
المدنية
نشر في جريدة الرياض
حوالي عام 1416هـ.