الإشارة قبل الأخيرة (2-2)

الإشارة قبل الأخيرة (2-2)

 

قلنا في المقال السابق أن الوعي يسبق عناصر الحركة المرورية الأخرى في الأهمية إذ به تتسق علاقاتها بعضها ببعض، وبه تسير الحياة على خير ما يرام. كما قلنا أن السيارة شيء غريب على مجتمعنا، ولذلك دلائل. أما ترى صاحب السوق الكبير ينشئه ليستوعب عشرات من المتسوقين في زمن معين، ثم لا تجد أمامه إلاَّ عددًا قليلاً من المواقف قد لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، هذا أن وجدت. دع عنك الأسواق الصغيرة التي تعتمد على الشارع موقفًا لمرتادها. ثمّ أنك قد تجد من يضع سوقه في رأس تل صغير فيكون الموقف أمامه منحدرًا لا تكاد تستقر السيارة فيه. ومثل الأسواق المدارس، فكم من مدرسة بها مئات الطلاّب أو الطالبات، وعدد كبير من المدرسين، ثم لا تجد لها موقفًا غير الشارع العام.

 

 هذا دليل، والدليل الأخر أن كثيرًا من الطرق والشوارع أنشئت في الغالب لتحل مشاكل اليوم، أما مشاكل الغد فتحل في الغد. وهذه نظرة لا تصلح في الحركة المرورية، ولا في جلّ شؤون الحياة الأخرى. فالكل يعلم أن عدد السيارات في تزايد مطّرد إذ هو ذو صلة بتزايد السكان المستمر. فالطريق التي تستوعب الحركة المرورية اليوم قد لا تستوعبها بعد ثلاث أو خمس سنوات ولا نقول بعد عشرين أو ثلاثين سنة. فكيف يمكن توسعة الشارع إذا كان محفوفًا بالمباني الشاهقة والمرافق الحيوية المهمة على طول امتداده. ألم تؤخذ هذه المشكلة بعين الاعتبار ولو في الشوارع التي أنشئت منذ عشر سنوات أو ما يقاربها.

 

هذان دليلان واضحان على أن وجود السيارة في مدننا يشبه إلى حد بعيد زراعة عضو غير ملائم في جسم إنسان هو بحاجة ماسة إليه، لكن لا سبيل إلى الاستفادة منه دون مشقة، ولا  إلى التكيّف معه كما ينبغي إذ هو دخيل على ما قبله من الأعضاء. ومن المعلوم أنَّه لابد لنا من زراعة هذا الششيء الغريب في هذا الجسم  المحتاج شاء أم أبى، فلا سبيل إذن لرفضه. فما الحل يا ترى؟ لا أحد يملك الحلّ كاملاً، لكنَّها مقترحات تساق من كل ذي شأن أو اهتمام فتساعد على إيجاد الحل المناسب بإذن الله.

 

والمقترحات المطروحة هنا على ثلاثة مستويات هي الثقافة العامة، والتعليم المنهجي، والتخصص البحثي. فعلى مستوى الثقافة العامة، يجب علينا تكثيف استخدام الوسيلة الإعلامية المناسبة لتوصيل المعلومة المرورية إلى عامة الناس، قبل مثقفيهم. فالسيارة يسوقها الأمي والمتعلم والمثقف، ويسوقها العاقل الراشد والجاهل المغرور، ويسوقها العامل الهامل، والعامل المكفول، والشيخ الكبير والطفل الغرير. ويبدو أن التلفزيون هو الأداة الملائمة، إذ أن كل إنسان يستطيع  التعامل معه واستيعاب كل أو بعض ما يقدم له فيه. والتلفزيون فوق هذا أداة مؤثرة، يزداد تأثيرها كلما قلت ثقافة الفرد. يأتي بعد ذلك المذياع، ثمّ الصحافة المقرؤة، التي تخاطب شريحة معينة من النّاس.  فلو وظفت هذه الوسائل بكثافة عالية لمدة طويلة من الزمن (قد تبلغ سنوات)، لأمكن فتح باب من نور في هذا الحيّز المظلم المخيف.

 

فتستخدم التلفزيون مثلاً في تبصير النّاس بمنافع السيارة ومضارها، وبمكوناتها وقدراتها وطريقة عملها بصفة عامة. وفي تبصيرهم بقوانين الحركة المرورية، ولمن تكون الأفضلية في السير، ويدعم ذلك بأمثلة من الواقع الذي يعيشونه. ويعرض أمامهم في دقيقة أو دقيقتين عينات من الحوادث القاتلة ومن الأخطاء الفادحة التي يرتكبها حمقى السائقين، وهم كثر. ولا يقول قائل أن في عرض الحوادث أمام النّاس ما فيه من الإزعاج والتخويف، فالإزعاج الشديد والخوف القاتل يأتيان من فقد أب أو ولد أو أم أو أخ أو أخت أو غيرهم من النّاس. نعم، أعلم أن وسائل الإعلام تسهم في نشر التوعية المرورية، لكنّا نريد تكثيف هذه المساهمة وتجديدها وتنويعها بما يوائم أفكار النّاس وقدراتهم، فتعرض المعلومة، في التلفزيون مثلاُ، في الأوقات المناسبة للمشاهدين، باسلوب سهل ميسر لا تهويل فيه ولا تكلف ولا استعراض. ولا مانع من عرض بعض الأمثلة من المواقع  التي تتكرر فيها الحوادث بكثرة حتى يتنبه المشاهد لها في المستقبل، وغير ذلك مما يمكن عمله مما لا يخفى على مسؤول.

 

أما على مستوى التعليم المنهجي، فإذا علمنا أن الحفاظ على الإنسان حياة، وفكراً، ومنهجًا هو هدف سامٍ، من أهداف الدين الإسلامي، يتحقق بالتربية السليمة والتعليم الصحيح، وإذا علمنا أن الحوادث المرورية هي من أكثر الأسباب هدراً لحياة الإنسان، وجب علينا ربط التعليم بالبيئة التي نعيشها، فنقرّب الواقع من أذهان الطلاب ونجعلهم يعيشون ما يتعلمون ويتعلمون ما يعيشون. مثال ذلك أن يتضمن المنهج الدراسي في مرحلتي المتوسطة والثانوية دروسًا في القيادة المثالية، وفي الحركة المرورية بأنواعها المختلفة ووسائلها المتعددة. ولعل منهج "التربية الوطنية" المستحدث من أولى المناهج بهذا المقترح.

 

أما على مستوى ذوي التخصص ممن يهمهم شأن الحركة المرورية، فيلزمهم استرفاد كل ما له صلة من العلوم والتقنيات التي تساعد على وضع الحلول المناسبة لمشاكل الحاضر والمستقبل في زمن قصير وبصورة أشمل وأكمل. فتسترفد العلوم الدينية، وعلم النفس، والتأريخ، والتربية، والآداب، والهندسة بكافة فروعها ومنها هندسة النقل وهندسة التربة والانشاءات والتشييد والميكانيكا والهندسة المساحية، وغير ذلك مما يفيد في هذا الشأن. ورغبةً في الاختصار، أحصر قولي هنا في مدى توظيف تقنيات الهندسة المساحية في شؤون الحركة المرورية.  فأقول من المؤكد أن لدى الهندسة المساحية من التقنيات ما يمكن أن يوظفه "المسؤول المروري" أو "الباحث المروري"، في خدمة الحركة المرورية، وفي إيجاد الحلول المناسبة لبعض المشاكل فيها. إذ أن من تقنيات الهندسة المساحية ما يختصر الزمن ويقرّب المكان، فيجعل الحلول المطروحة أسرع وأشمل. ومن هذه التقنيات ما يجلب المعلومة المهمة بين يدي المسؤول في زمن قصير لا يقدر عليه غيرها. ومن هذه التقنيات ما يساعد على تصحيح الخطأ الماثل في الطريق بكفاءة عالية. أعلم أن التقنية المساحية، لم تغفل من قبل المسؤولين عن شؤون المرور، لكنها تقنية تتغير وتتقدم بسرعة فائقة مثلها مثل غيرها من التخصصات العلمية، ولا يحيط ببعضها إلاَّ من هي شغله الشاغل على مدار العام.

 

وما المؤتمرات بأنواعها إلاَّ نشاط من أنشطة المستوى الثالث المشار إليه هنا. وهي بلا شك مظهر من مظاهر الرقي والتقدم في الأمة. فالمؤتمرات هي البيئة الطبيعية التي تلتقي فيها كل هذه التخصصات في مكان وزمن محددين، فتسري فوائدها إلى كل من المستويين الأول والثاني إن صحت العزائم. وإنَّنا إذ نستبشر خيرًا بالمؤتمر الأول للمرور الذي سيعقد في شعبان القادم، لا يفوتنا أن نشكر سمو وزير الداخلية على ما يبذله من جهود في سبيل إيجاد الحل المناسب لمشاكل هذا الجانب الحيوي المهم. هذا وبالله التوفيق.

 

د. ظافر بن علي القرني

جامعة الملك سعود

الهندسة المدنية

 

نشر في جريدة الرياض حوالي عام 1416هـ.

 

 

 

عدد زوار الموقع

جميع الحقوق محفوظة 1426 هـ