Are You suprised ?

المعالم الجنوبية

وتعليق من الدكتور القرني

 

سررت بقراءة ما خطّه قلم الأستاذ علي الحربي، حفظه الله، في جريدة الرياض صفحة خزامى الصحاري ع 10527 في يوم الأحد  13/12/ 1417هـ، تحت عنوان المعالم الجنوبية في الأشعار الشعبية. ومميّزات عمل كهذا كثيرة، لكن من أوضحها مزج الشعر الشعبي والفصيح في لغة جذّابة مهذبة، وطرح ممتع تتجلَّى من خلاله بعض المعالم الجغرافية البارزة في جزء من  هذا الوطن الغالي علينا جميعًا. بمثل هذا العمل يكون التكامل بين فنون الشعر على اختلاف مشاربها، وشرف منازلها، فتكون روافد علم ومعرفة وبهجة للنفس. والملاحظة العابرة التي أوردها هنا تعني بالبيت الذي يقول: "يا عذب وصّف لي مكانك وناوي". إذ فهمت من شرح الأستاذ علي للبيت إن الشاعر يقول لحبيبه: يا جميل السجايا أو يا حلو صف لي مكانك فأنا أنوي نصحك. يُفهم ذلك من قول الشاعر في البيت الثاني ( أنصحك من هرج الخيانة ....). والذي أعتقده أن الشاعر يقول: صف لي مكانك فأنا  أريد أن آتي إليك. ففي القران الكريم عن ابن نوح { قال سآوي إلى جبلٍ يعصمني من الماء}. وعلى هذا  يُكتب البيت في الصيغة التالية: يا عذب وصّف لي مكانك وأْنا  آوي. وإن كان هذا الإيواء مما يخل بالشّيم إلا أنه لا يعتد بقول كثير من الشعراء في الغزل إذ هم مسرفون فيه أيما إسراف، هداهم الله.

 

ومما يدل على أن الشاعر يقصد الإيواء، طلبه خريطة الموقع. إذ لو كان يقصد النصح لطلب شيئًا آخر كالمقابلة، أو الانتباه إليه من صاحبه،  أو الرد على الهاتف في وقت معين، مثلاً.  كما أننا لو أخذناه بمعنى النصح لاعترى البيت ما يعتريه من الضعف اللغوي جراء التنافر اللفظي فيه. وإذا كان الشاعر يريد المجيء من أجل إسداء النصح، فلا أقل من أن يقول يا عذب وصف لي مكانك فناوي، أي بمعنى فإنني أنوي ... ويتصل البيت بما بعده من النصح. وهذا وجه ضعيف الاحتمال، إذا ما علمنا أن البيت يقوم معناه به ولا يتجاوزه إلى غيره إلا فيما ندر. وبيت النصح الوارد في القصيدة ليس سليمًا، إذ فيه خطأ بيّن، وركاكة واضحة خاصة إذا كان الشاعر يريد أن يقول إياك يا حبيبي من السّير وراء الأعداء (ورا اعدا) ومن تتبع خطاهم والسّماع لهم. إذا كان هذا هو المقصود، فماذا لو قال: يا عذب أنا عازم بوصلك وناوي / أنصحك لا تجهل وتمشي ورا اعدا، أو غير ذلك مما يناسب المراد.

 

وفهم البيت على معنى الإيواء لا يزيد في التلاحم اللفظي بين أطرافه فقط، بل يتعدى ذلك إلى إظهار حرارة الاشتياق، ومرارة البعد، والاستعداد للمغامرة مهما كانت العقبات. وبقي القول أنه إن قال في البيت الأول من البدع (وناوي) بمعنى مطر شديد ، كان مقابلها في الرد (وأْنا آوي) بمعنى آتي، وإن قال فيه (ونوي) بمعنى السحاب، كان مقابلها في الرد (وأْنا أْوي)، ولا فرق في المعنى في الحالتين، أنما الفرق يكون في إظهار الحروف أو التهامها أو ضغطها بما يكفل التشابه بين الألفاظ في قوافي القصيدة. وهذا مثلبٌ من مثالب تكلّف الجناس في الشعر بل وعيبٌ من عيوب اللغة الدارجة اليوم بصفة عامة.

 

ولا شك أن الشعر الشعبي، قديمه وحديثه، حافل بأسماء المعالم الجغرافية في المنطقة، لكن معظمه يموت بموت شعرائه ورواته وحفّاظه عبر السنين.  وتبقى مسؤولية جمع ما أمكن منه على عاتق من لديه القدرة من أبناء الوطن كما فعل الأستاذ علي بن صالح السلوك فيما أخرجه من كتب عن غامد وزهران -تهمانهم والحضر والبادية. والعودة إلى هذه الكتب، وإلى مثلها في أدب المخلاف السليماني، على ما أذكر، وغيرها مما لا أعرفه، مفيد في هذا الشأن. ولا مجال لي في سرد أمثلة من الشعر لكنّ ما أستطيع قوله أن لكل معلم جغرافي بارز بيتًا من الشعر هو به جدير ولا يحق لمؤلف تجاوزه إن علمه، ووجود مثل هذا البيت لا ينفي مثله في موضوعه. ومثال ذلك جبل ثميّدة المعروف وما قاله فيه الشاعر صالح بن خضران رحمه الله ضمن قصيدة مشهورة ، جاء فيها:

 

     عندنا اللول والمرجان ومن الجبل مصروفنا

     في ثميّدة بيوت العز تبنى وبيت الجنّبخان

    وفي آخر رّدها يقول:

    القيامة تقوم على الذي في رفيق الجنّب خان.

 

وللشاعر أبي جعيدي محمد بن معيض الغامدي أسلوب شيّق وطريقة عجيبة في سرد أسماء المواقع والمعالم الجغرافية وذكر أهلها تكاد تميّزه عن غيره من الشعراء، فيما أعلم، إذ أن لكل شاعر مجيد نصيبًا في هذا الفن يعجز المتابع المهتم في الإلمام به كما هو معلوم. آمل ألاّ أكون مخطئًا فيما ذهبت إليه، وأن أكون أضفت إلى الموضوع ما يفيد. هذا والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.

 

د. ظافر بن علي القرني

جامعة الملك سعود

 

نشرت في جريدة الرياض

 

 

 

عدد زوار الموقع

جميع الحقوق محفوظة 1426 هـ