Are You suprised ?

إن كيدكنّ عظيم

 

هل نحن مقبلون على زمن يتحتم علينا فيه تذييل الشعر بالمراجع كما في الأبحاث العلمية الأخرى؟ الله أعلم.   أعتقد أن الطريقة التي نُنجز  اليوم بها جلّ القصائد الشعرية غير مجدية وتقود، في أحسن الأحوال،  إلي الركود الحسي والبطء في التعامل مع المواقف والأحداث. لقد جُبلنا على الاقتناع بأن زهير بن أبي سلمى صاحب حوليات. وأن المتنبي له ديوان واحد فقط أشغل به  الناس، وأن الشعر لا بد له أن يُنقح وغير ذلك من الأفكار التي قادت -نظراً لسوء الفهم حسب اعتقادي- كثيراً من الناس إلى اقتحام سوق الشعر والتأليف فيه ثم المناداة بالمساواة في الحقوق بين الشعراء سابقهم ولاحقهم، وهذا حيفٌ أي ما حيف. فمن يستطيع يا ترى أن يمسك بالجمرة في يده لمدة حولٍ كامل. ثمّ من يستطيع الجزم أن المتنبي لم ينجز أضعاف ديوانه الموجود بين أيدينا. ثم أليس هناك فرق بين قول القصيدة وتنقيحها. في نظري أن القصيدة التي تكتب بشكلٍ متقطع، كلمة في الصباح وأخرى في المساء في زمن قد  يمتد لعدد من السنين، ما هي إلا تأليف متعب وشاق يميل إلى البحث العلمي ميلاً شديداً، ويقتل أقل ما يقتل السجية الشعرية إن وجدت ويشير إلى خلل ما في  الموهبة اللغوية لدى القائل.

 

الشاعر بلا شك يأخذ من الشاعر وهذا نلحظه في شعر العصر الجاهلي وشعر العصور المتتالية بعده إلى يومنا هذا. لكن يبدو لي أن للسابقين أخذاً غير أخذنا، ولهم طرقهم في حفظ الحقوق الأدبية بما يرضيهم، فمقولة أن امرؤ القيس أول من قيّد الأوابد ووقف على الأطلال، مثلاً، سجلت السبق للشاعر وألمحت إلى إمكانية توظيف هذا اللفظ والمعنى من الشعراء الآخرين في حدود المعقول بمعيارهم. أرضتهم بهذا الحال ظروفهم الاجتماعية التي عاشوها، فوسائل الاتصال بالمدن أو القبائل المجاورة قليلة وبطيئة لا تُسَهل نقل العلوم والثقافة (بما فيها الشعر) بسرعة هائلة كما هو الوضع الآن. إذن مجتمعاتهم صغيرة مهما كان حجمها قياساً بمجتمعاتنا في الوقت الراهن. هذا ما جعل الشاعر  صاحب الإبداع يقتنع بحفظ حقه الفكري بالطريقة التي أشرت إليها قبل قليل. لم تعد طريقة ترتيب الشعراء حسب إبداعاتهم بهذه الطريقة مجدية بالنسبة لنا، فلا سبيل للفرد اليوم إلى التحقق من حفظ حقه نظراً لاستحالة  المتابعة لكل ما يُنشر أو يقال في محيطه الذي هو العالم كله. هل هذه النظرة تزيد من إمكانية أو من وجوب سرد مراجع  (إن وجدت) للقصيدة كما أسلفت.   

 

 قادني لكل هذه التساؤلات والتأملات ما أقرأه هذه الأيام في ملحق الجزيرة الأدبي من حوار ثقافي شارك فيه عدد من المهتمين والمهتمات بالأدب وشؤونه بدأته السيدة خديجة العمري بقولها-وأعدوا لي ما استطعتم- الذي أوحى لي بعنوان مقالتي هذه،  فكلنا نحتكم إلى القرآن الكريم. وأعترف إنني لم أتابع خلفيات القضية كما ينبغي، لكنِّي أذكر قصيدة للشاعر العواضي التي نهجت نهجها مبنىً الشاعرة لطيفة قاري، على ما يبدو، إذ أنِّي بحاجة إلى الرجوع إلى القصيدتين  قبل أن أقول غير هذا، أو أذهب أبعد مما ذهبت إليه.

 

د. ظافر بن علي القرني

جامعة الملك سعود

نشرت في جريدة الجزيرة 

 

 

عدد زوار الموقع

جميع الحقوق محفوظة 1426 هـ