الشعر ليس بتداع فكريٍ يمارسه هواته لإسباب ودواع تتغيّر بتغيّر الحياة، ولا بهاجس ليلي يمارس شيئًا من التمرد على محبيه، بل هو نشاط حيوي يشارك -إذا ما هذّب نفسه- في تهذيب الثقافة وبناء الحضارة. وهو بصورة أشمل مرآة الأمة التي تعكس واقعها لها ولغيرها. وإذا و

قولٌ في الشعر (1)

 

الشعر ليس، فقط، بتداع فكريٍ يمارسه الشاعر لضبط إيقاع حياته الخاصة مع من حوله، ولا بهاجس ليلي يمارس شيئًا من التمرّد على محبيه، إنما هو، أيضًا، نشاط ذهني يشارك، بنصيب وافر،  في تهذيب الثقافة وبناء الحضارة. وهو بصورة أشمل، مرآة للأمة تعكس واقعها لها ولغيرها.  فإذا وقع بين يديك ديوان شعر خالٍ من المعلومات  الزّمانية، والمكانية، والشخصية الدالة على صاحبه، وليس في محتواه ما يدل عليها نصًا، فقرأته ثمّ لم يتشكّل في ذهنك جانب من النّسق الحضاري والإطار الثقافي لبيئة الشاعر، فما قرأت إلا كذبًا مارسه الشّاعر على نفسه أولاً، وعلى أمته ثانيًا، فضّل وأضلّ. وقد تضيق أو تتسع بيئة الشّاعر بقدر ثقافته، ومصادر إلهامه، ونظرته إلى الحياة. ويمكن تمثيل هذه البيئة بدائرة هو مركزها، ويتدرّج نصف قطرها من المسافة بينه وبين أبعد منزلٍ في قبيلته، إلى أبعد مجتمع عنه في  الأرض، وقد يتجاوز إلى ما وراء ذلك في أحسن الظروف. والشعر شيء من الشاعر ينمو بنموه، ويقوى بقوته، ويضعف بضعفه. ثمّ أن مما يزيده جمالاً وحسنُا  ارتجاله في وقته دونما عنت أو تكلّف. إذا صّح شئ من هذا، ثمّ سألنا أنفسنا: أي نوع من الشعر، في الجزيرة العربية اليوم، هو  أدنى إلى هذه المقومات من غيره؟ لما أحتاج الأمر إلى تدبّر وتروٍ لنحصل على الإجابة المرّضية. فما هي يا ترى الأسباب التي جعلت الشعر الفصيح ينحسر مدّه، وتوصد أبوابه، فهو لا يرى إلا مكفّنًا في دواوينه ومبعثرًا في بعض الصحف والمجلاّت والندوات بندرة بالغة قياسّا بغيره من الشعر. إن من هذه الأسباب ما يلي:

 

أولاً: إطلاق صفتي الركاكة والضّعف على كثير من الشعر الفصيح دون معرفة حال قائله وبيئته وظروفه. فالنّاقد قد ينظر إلى النّص بين يديه مجردًا من خلفياته ومقوّماته عدا اللغة. إذن هو يغفل في الغالب "مبدأ" أن الشعر ينمو بنمو الشّاعر ويضعف بضعفه. وكم من ناقدٍ قاس شعر شاعر حديث ناشئ  بما وصل إلينا من شعر القدماء كزهير والأعشى ظنًا منه أنه بفعله ذا يخدم الشّعر والشّاعر معًا. والنقد المعني هنا واسع المفهوم، فهو يمتد من كلمة ملقاة من عابر سبيل  إلى كتاب مطبوع من ناقد متمرس.

 

ثانيًا: دعوى حفظ كثير من الشعر قبل قرضه، وهذه تنقصها الدقّة والعلم. فاللغة مهارة يشترك في ترقّيها عوامل كثيرة تختلف باختلاف قدرات  النّاس، وقول كهذا يغلّب عاملاً واحدًا على عوامل قد تفوقه في الأهمية.

 

ثالثًا: دعوى أن اللغة العربية صعبة، ولها أربابها، ولا تتأتى إلا لدارسيها، وغير ذلك مما ينافي العقل والنّقل ولا يقول به متبصّر.   

 

رابعًا: تسمية بعض الشعر بمسميات عشوائية فيها من التجاوز أو القصور ما فيها.

 

خامسًا: فقد الحان الشعر الفصيح وإيقاعاته على مرّ الأعوام فضلاً عن تطويرها، ولهذا تعطّلت حركته إلا في إطارٍ ضيق، ولا حياة له إلا بتوفر أنماطٍ من الألحان وأساليب الأداء  يطرب لها السامع وتواكب ذائقته في هذا العصر فيتأثر ويؤثر بها. فكما هو معلوم أن حياة الشيء تكمن في استخدامه وتوظيفه في محيطه أو بيئته التي ينشأ فيها.

 

هذه المثبّطات انتفى وجودها  أو قلّ تأثيرها في غير الشعر الفصيح (الشعبي)، فأقبل عليه الشباب بشكلٍ لم يُعهد من قبل، ومال إليه الناس، وكثر تداوله عبر وسائل الإعلام المختلفة واللقاءات المتنوّعة. ولا ضيّر أن كان فيما ذكر عرائس أو عوانس أخذن بعض نصيبهن، فلعل في إلباسهن ثوب زفاف جديد ما يغري بهن العيون ويذهب عنهن الشجون. وللحديث صلة.

                                                      

                       د. ظافر بن علي القرني

 

 

 

 

عدد زوار الموقع

جميع الحقوق محفوظة 1426 هـ