قولٌ في
الشعر (2)
العربي مجبول على النظر إلى الوراء كثيرًا. وليته يفعل ذلك
لاستشراف مدى الانطلاق في المستقبل، لكنه يفعله إما للتغني بالماضي أو للتحسر
واحتساء الهزيمة الذاتية قبل بثّها فيمن حوله بعزيمة لا تعرف الفتور. وكلنا نهزّ
رؤوسنا أو لا نعارض مبدأ "الأول ما خلّى للتالي شيئًا"، بل نكاد نكون
مقتنعين به ونمارسه في حياتنا، وإن اختلفت درجات الاقتناع وأساليب الممارسة. ألسنا
نمارس إسقاط ما يتمّ إبداعه في الحاضر على معطيات الماضي فنقيسه بمقاييسها التي لا
تصلح كلها له. والواجب علينا الاستفادة من إنجاز الماضي في دفع الحاضر إلى ما هو
أفضل، لا النظر إلى الماضي بعين وإلى الحاضر بعينٍ أخرى. والمذّهل أن المرء يشبّ
ويهرم ويموت وهو يقرأ ويسمع في الأعلام عبارات كالتالي: توفى آخر جيل الرّواد، أو
توفي آخر جيل العمالقة، أو آخر الرعيل الأول وغير ذلك من العبارات المدهشة. فأنت،
إذن، تحيا وتموت وأنت تودع آخر جيل العمالقة أوجيل الرّواد. وهذا في حد ذاته مرض
ملازم غامض لا يقضي عليك فتموت ولا يمهلك فتتدبر شئونك. إنه خلل كبير أصاب العقلية
العربية في أدبها وفي إبداعها بصفة عامة. والحقيقة أن تواصل الإبداع لا ينقطع ولن
ينتهي إلا بانتهاء الخلق كلّه. ومن يقول بهذا كمن يحكم بانتهاء الموهبة. ولو
تصوّرنا جماعة من النّاس الذين لا يؤبه لهم في مكان ما من الأرض لا يخالطهم غيرهم،
أليس لهم مبدعوهم وإبداعهم الذي يتغنون به ويمجدونه. لابد أن الإبداع سيظل يسري
فيهم بشكلٍ ما وبقدرٍ ما إلى أن يفنوا. فظاهرة تتالي الإبداع مرتبطةً بتتالي
النّاس، أي أن التعاقب في الإبداع مرتبط بالعامل الزّمني الذي يمتد من يوم إلى
سنوات. وهذا العامل الزّمني يصعب التحكّم فيه وتصنيف النّاس بحسبه، فإذا قلت فلان
آخر الرّواد فماذا تقول عمّن يقلّ عنه في العمر بسنتين أو بخمس ويبدع إبداعه.
أمر آخر هو أن ما وصلنا من الماضي غُرّبل عبر أجيال على مرّ
الزمن، فوصل إلينا خاليًا من الشوائب والمنغّصات الظّاهرة. ولنقصٍ في الإدراك، قد
يتصوّر إنسان اليوم أن شعراء الجاهلية وما بعدهم من القرون الأولى في الإسلام لم
يقولوا إلا شعرًا رصينًا متينًا خاليًا من كل عيب ونقص. هذا ما لم يحدث إذا علمنا
أن ركيكه رفضته الأجيال السابقة ، فوصل إلينا أفضله بعد تشذيبه وتهذيبه وشخله،
ورغم هذا فلا يخلو في بعض جوانبه من ضعف وحشو، ولا غرابة في ذلك فهو جهد بشري لا
كمال له بحال. وبغض النظر عن حاله، فنحن بمقارنتنا إنتاج جيل اليوم بما كان في
الماضي إنما نقارن بين عقل وعدة عقول في مضمار واحد، أو نحاكم عطاء جيل واحد إلى
ما قبله من عطاء عدة أجيال متتالية في ذات الموضوع، وفي ذلك ما فيه من الإجحاف.
ولا يظن ظان أننا ندعو إلى هجر الماضي أو نُدخل المعتقد الديني
فيما نقول. ومن يعتقد هذا فهو أعمى بصيرة. إذ أن القرآن الكريم كتاب لا يزداد مع
مرور الزّمن إلا تألقًا ورفعةً وتمكينًا. وهو كتاب لا تنتهي عجائبه، ولا يطاله
التناقض ولا النقص المصاحبان لغيره من الكتب. كما أنه الكتاب الوحيد الذي لا يبعث
على الملل تكرار قراءته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. زد على ذلك، أنه مرجع
يأخذ منه البرّ والفاجر ولا يأخذ هو من أحد. وكذلك فإن سنة من أُوتي جوامع
الكلم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، الثابتة والمتواترة ليست محل الاختبار ولا
التقويم. وهذان المنهلان حاضران في ذهن المسلم في كل زمان ومكان، ولا غنى له عنهما
البتة. إنما قصدته هو النظر إلى أدب المتقدمين وعلومهم على أنها قمة لا يمكن
للعربي اللاحق أن يصل إليها أو يأتي بمثلها. هذه النظرة تجلّت في الشعر، فالشّاعر
القديم لم يترك معنى إلا طرقه، وما ترك شاردة ولا واردة إلا أتى بها. والشّاعر
القديم هو أقوى في العبارة، وأجزل في المعنى، وأطول في النّفس، وغير ذلك مما
يُقال. وهذا مناقض لمقتضى خلق الله جلّ وعلا. إذ لو جعل الإبداع على صورة واحدة،
وأختص به جيلاً معينًا لما استقامت الحياة ولا تحقق مبدأ الاستعمار أو الاستخلاف
في الأرض. فالخلق واحد والمآل واحد والميزان واحد ومجالات الإبداع مهيأة في الكون
من قبله جلّ وعلا كيفما شاء، ولابد للنّاس من العمل فيها ولكل نفس ما كسبت من خير
وعليها ما فعلت من شرّ. والخير والشّر مضماران للإبداع المرغوب فيه والإبداع
الممقوت على التوالي.
قد يقول قائل أن العربي لا يختلف عن غيره من النّاس في النظر إلى
ماضيه وحاضره ومستقبله. فنقول قد تجد المثقّف العربي من أمهر الناس في التعامل مع
الأبعاد الثلاثة وفهمها بمفرده، لكن عندما نفكر كأمه فالاختلاف وارد لا محالة.
فنحن ننظر للتاريخ على أنه مجدٌ فقط، وغيرنا ينظر إليه على أنه مجد وماض تاركين
بذلك فرصة للحاضر وللمستقبل ليكونا أجمل وأفضل. إذا لم يصح هذا أو بعضه، فكيف نفسر
موقفنا الحضاري اليوم بين الأمم، وكيف نفهم سرّ تعثرنا في ساحة العطاء والإبداع.
إذن الذي أراه أن تبجيل إبداع الماضي بصفة مطلقة هو عامل فاعل في تثبيط إبداع
اليوم وتهميشه، ومن أول وسائل الإبداع اللغة، ومن أول مظاهره الشّعر. وخلاصة
القول أن المجتمع هو النّاقد الثّقافي الكبير، ومجتمعٌ هذه هي مرتكزات نقده
ومنطلقاته، كيف يكون حال إبداعه ومبدعيه؟.
تنويه لابد منه: في مطلع الحلقة
الأولى كتبت ما نصّه: الشعر ليس فقط بتداعٍ فكريٍ …. ولا بهاجسٍ ليليٍ … فغيّره من لا أشك في حدسه إلى: الشعر ليس فقط ابتداعاً فكريًا.
وبين التداعي والابتداع ما بين السياحة و الأعمال الشّاقة من فرق، أو قل ما بين
الخمول والمثابرة، أو السذاجة والمكر. ولعل في عدم تشكيل المفردة ما يُغري
باقتحامها.
د.
ظافر بن علي القرني