الشعر ليس بتداع فكريٍ يمارسه هواته لإسباب ودواع تتغيّر بتغيّر الحياة، ولا بهاجس ليلي يمارس شيئًا من التمرد على محبيه، بل هو نشاط حيوي يشارك -إذا ما هذّب نفسه- في تهذيب الثقافة وبناء الحضارة. وهو بصورة أشمل مرآة الأمة التي تعكس واقعها لها ولغيرها. وإذا و

قولٌ في الشعر (3)

 

بدأت هذه المقالات بما يشبه قاعدة المعلومات التي يعرفها مستخدمو آلة الحاسوب  اليوم، حيث وضعت الأسس لما أريد قوله، ثمّ رمزت لكل منها برمز وحفظت له نمطه الذي يُسترجع به وقت الحاجة إليه. ونُشر ذلك في يوم الخميس 23/1/1418 هـ، ع 10566 . وما فعلت هذا إلاَّ رغبة في التيسير عليّ وعلى القارئ في التعامل المباشر مع كل نمط من هذه الأنماط على حدة. لكن المشكلة التي برزت للعيان من أول وهلة، هي حاجة كل نمط منها إلى قاعدة معلومات بمفردة. ولو اتّبعت هذا الخيار لتشعبت هذه القاعدة أو الشبكة تشعبًا غير محمودٍ وكنت فيها أول التائهين. فعمدت إلى حفظها في مستواها الأول الذي أسستها عليه منعًا لتعدد المستويات المضلّة بها. وبهذا ضيقت على نفسي، حيث أحاول معالجة أمر معقّد بطريقة ميسرة، وفي ذلك ما فيه من الجهد جراء التّخلي عن بعض الروافد و اللّبنات المهمة لتكامل البناء وسموقه. وبهذا يبقى العبء الأكبر على القارئ الكريم في استنتاج ما يخدمه ويفيده، وغض الطّرف عمّا سواه فلعل لغيره فيه منفعة أو متعة أو هما معًا. ولقد ناقشنا في الأحد الماضي أثر إسقاط إبداع اليوم على معطيات الماضي في الأدب، وأحاول هنا مناقشة دعوى حفظ كثير من الشعر قبل قرضه. فأقول: 

 

تشير الشواهد إلى أن هناك من يحفظ كمًا هائلاً من الشعر الذي يطرب له  السّامعون،  ثمّ لا يقوى على قول بيت واحد من لدنه. وقد تجد من يحفظ آلاف الأبيات من الشعر ثمّ يكون ما يقرضه باردًا لا حياة فيه. كما أننا لا نعدم من يأتي إلى ساحة الإبداع بقوة دونما رصيد بالغ من الشعر المحفوظ. كل هذه المعطيات تؤكد أن  الموهبة هي الأساس، ومتى ما حصلت اختلفت طريقة تطويرها وشموخها حسب قدرات ورغبات المبدع الموهوب نفسه، لا حسب ما يمليه عليه مجتمعه أو ناقده. ولا يقول عاقل بأن الإطلاع لا فائدة فيه أو أنه غير ضروري في حياة المبدع. غير أن الإيحاء بأن الحفظ عن طريق القراءة في الدواوين هو الأسلوب الأمثل إيحاء غير موفق. ولا يحق لنا فرض حالة ظهرت لنا على حالة لا نعرفها، إذ لا ريب أن لكل هاوٍ وسيلته في حفظ ما يستملحه من القول. وقد يقع الحفظ من الوهلة الأولى ولا لزوم عندئذ لاستخدام كلمتي القراءة والحفظ اللتان توحيان بطول الأمد في استظهار المكتوب. والشّاعر الحقيقي ليس بحاجة إلى من يقول له احفظ الشّعر، لأنه أحد مقومات حياته. ومن يقول له ذلك كمن يقول للظمآن عليك بالماء. ثمّ إذا كان الحفظ عن طريق القراءة ملزمًا، فماذا عن الأعمى المبدع الذي لا يتأتى له مثل ذلك.

 

ولو صبر شاعر عن قول الشّعر إلى أن يحفظ ألف بيت مما يُختار له، ثمّ صبر إلى أن ينساها، لربما توفى قبل أن يقول ما يريد. ألا يجوز أن يكون السبب الخفي في وفاته  هو عدم إعطائه الحرّية في قول ما عنّده كلما خامره مخامر. ولو صبر الشّاعر لما صبر الشعر، فهو لا يستأذن صاحبه ليلج بيته، كما أنه ليس بالهادئ الوقور فيطلب منه الانتظار أو الرجوع عامًا أو أكثر ثمّ العودة إليه على سعة. وأعتقد أن من نَصَحَ بهذا إنما أراد به متجشّمي الشعر ممن يتمنون قرضه بأي ثمن. فيطلب منهم التغطية على ضعف الموهبة بكثرة الإطلاع والحفظ والاقتباس، أو إذا شئت فقل النّقل المباشر. إذن من لديه موهبة ناقصة أو مشوّهة من جهة ما، جمّلها بمساعدٍ خارجٍ عنها، وقد تجد لها مستقبلها ومروجها بين النّاس خصوصًا في عصرنا هذا، حيث التبعات لا يؤبه لها ومدى التخلي عنها رحب فسيح.  إذا صحّ شئ من هذا، فما هي يا ترى الوسائل الممكنة والمتاحة للمبدع لكي يثري ملكته اللغوية والفكرية؟ ولكي لا نقع في حرج تفضيل بعض هذه الوسائل المعروفة على بعض، نحصر الأمر في الشّعر، فنقول من وسائل الرقي به وتطويره من لدن الشّاعر ما يلي:

   ·   الاستماع إليه

   ·   الممارسة له          

   ·   الاحتكاك بالشعراء

   ·   القراءة

فتعلم اللغة بالاستماع إلى أهلها هو من أنجع الطرق وأفضلها. أنظر إلى لغة الطفل الصغير كيف تنمو بطّراد حسب ما يسمعه من أهله ومخالطيه. فإذا كانت لغتهم سليمة مهذبة غنية بالمفردات الصحيحة، جاءت لغته كذلك، والعكس مقرونٌ بالعكس. كما أن  الاستماع الصحيح يتبعه القول الصحيح وبعدهما تأتي الكتابة الصحيحة. والعربي في الماضي لم يهمل هذا الوسيلة بل مارسها وحبب إليها، فتجده يحرص على تعليم ابنه اللغة السليمة حتى لو استدعى ذلك إرساله إلى منابعها الصحيحة النقية ليستقيها منها. وعن الممارسة بالمشاركة نقول أن القول بلغة معيّنة هو حاصل الاستماع إليها. والتحدّث باللّغة ممارسة ضرورية لإتقانها، وكذلك الشعر يُستمع إليه ويُقال به. والظاهر أنه في مرحلة مبكرة من حياة الفرد، تتداخل عمليتا الاستماع للّغة والتحدّث بها بشكل كبير يصعب معه على المرء وضع  فواصل زمنية بينهما. كما أن الاحتكاك بالشعراء المبدعين مفيد إذ  الشعر فنٌ فيه شئٌ من الصنعة، والصنعة مهارة تكتسب بالمحاكاة. وتهذيب الصنعة فرع لا يسبق الأصل الذي أشرنا إليه من قبل (الموهبة)، وإن حصل ذلك كان العنت والخواء الشعري. 

 

وعن القراءة  نقول هي وسيلة من يتقنها. ومن المعلوم أن جلّ الوسائل أو الأساليب المتاحة  اليوم لا تعلّم القراءة الصحيحة ومن ثمّ الفهم الصحيح. فكيف نأتي إلى الشاعر ثم نقول له اقرأ في دواوين من سبقوك وقد تعوزه القراءة السليمة المثمرة. أو ننصحه بحفظ أبيات من سبقوه من دواوينهم وهي لا تقرأ له كما ينبغي، دع عنك شرحها وتفسيرها له بعد ذلك. ونحن هنا لا نعمم، غير أن الاستثناء قليل، ولا ينقصنا  الدليل فيما ذهبنا إليه.

 

وهناك حالة من الإحباط وتبدّد الأحلام تنتاب المبدع المتمكن من قراءة إبداع من سبقوه، عندما يفاجأ بما يراوده من أفكار وما يعن له من أخيلة يحسبه سابقًا إليها، مسطّرة في كتبهم بعبارة كعبارته أو تفوقها. هنا ينزعه نازع إلى أن "الأول لم يترك شيئًا" مع أنه ترك الكثير. خذ مثلاً واحدًا على ذلك، قول المتنبي عن الحمّى:

 

أبنت النّاس عندي كلّ بنتٍ    فكيف وصلتي أنت من الزحام

بذلت لها المطارف والحشايا   فعافتـها وباتت في عظـامي

 

 أما تستفز هذه الصورة المعبّرة شاعر اليوم، وتصيبه بما يشبه حمى المتنبي مع اختلاف الأسباب. لعل مثل هذا الشعور أو ذاك الإحباط لدى المبدع هو ما حدا بالفرزدق إلى السطو على بعض أبيات مجايليه في رابعة النّهار، وزعمه أنه أحق بها منهم. ولا أريد أن استطرق في الحديث ، فهو ذو شجون ونحن كذلك. لكن لا ننسى أن نشير إلى أن الآلة اليوم تدخل ضمن الوسائل التي ذكرناها أداة مساعدة. ونعني بالآلة الحديثة المذياع والتلّفاز والجريدة والنّاسوخ والحاسوب وغيرها مما هو متوفر ومما سيأتي. فكلها توظف من قبل المبدع في خدمة إبداعه. ومن منافع هذه الخدمة اختصار الوقت في جلب الكلمة أو المعلومة ونشرها. على أن للحاسوب منها فائدة ظاهرة لا تكاد تقدّر بثمن، ألا وهي تزجية وقت من يؤمن بقول من قال:

 

عوى الذئب فاستأنست للذئب إذ عوى     وصوت إنسانٌ فكدت أطيرُ

 

د. ظافر القرني

 

 

عدد زوار الموقع

جميع الحقوق محفوظة 1426 هـ