الشعر ليس بتداع فكريٍ يمارسه هواته لإسباب ودواع تتغيّر بتغيّر الحياة، ولا بهاجس ليلي يمارس شيئًا من التمرد على محبيه، بل هو نشاط حيوي يشارك -إذا ما هذّب نفسه- في تهذيب الثقافة وبناء الحضارة. وهو بصورة أشمل مرآة الأمة التي تعكس واقعها لها ولغيرها. وإذا و

قولٌ في الشعر (4)

 

مازلنا في طور بناء "قاعدة المعلومات الشعرية" التي ناقشنا بعض جوانبها فيما مضى. واليوم نأتي إلى الدعامة الثالثة منها التي تعني بدعوى صعوبة اللغة العربية وأنها لا تتأتى إلاِّ لدارسيها ولأربابها وغير ذلك مما يقال. ولابد من إيضاح مهم قبل الدخول في الموضوع،  فنقول:

 

لو صح أن يكون لكل اختصاصه الذي لا يتقن إلاِّ هو من فروع المعرفة  الكثيرة فلا يصح ذلك في اللغة، حيث هي وعاء العلوم كلها، وحاوي الفكر، ولكل فيها نصيب ولابد. والتفنن في اللغة باللغة مطلب متأخر في الأهمية عن استخدام اللغة في نقل المعرفة والتواصل الفكري بين الأجيال والأمم. ثمّ هو مطلب خاص لبعض أهل الفن ممن يريد المتعة الفردية والاستعراض الجماهيري. فيعمد هذا الماهر في فنه إلى نقد النقد، ونقد نقد النقد، فيجر النّاس إلى لهو لغوي لا طائل من وراءه ولا هدف له. ولقد قطعنا شأوًا بعيدًا في هذا لا أمل معه في تبيّن سبيل الرّجعة في المنظور القريب. والمرء إما أن يتخذ اللغة وسيلة لغاية أو غاية لذاتها. فإن اتخذها وسيلة حقق بها هدفه وتحقق له في غضون ذلك مقتضى الغاية. وإن اتخذها غاية فقط قصر عن تحقيق مأربه وتاه في بحر لا قبل له به.

 

 ودعوى صعوبة اللغة العربية فيها شيء من الصحة إذا ما عرفت المسببات وراء ذلك. فمن المعلوم أن كثير من الطاقة البحثية عند العرب استنفد في علوم اللغة وفنونها المختلفة. ويمكن لمتتبع البحوث العلمية لدى الأمم الغربية اليوم أن يلحظ التشابه فيما هي فيه من التعمق في  فروع العلوم البحتة، وما كان العرب عليه في أوج الحضارة الإسلامية من الغوص في دقائق اللغة والأدب. لقد بلغ الجهد بالعربي في تتبع اللغة إلى القول بعكس المتوقع من قوة الحجة وبيان الحقيقة فيقال "أوهى من حجة نحوي". لأن النحوي أثقل الأصول بهموم الفروع فظهر ضعفه أمام النّاس مع ما لديه من العلم والحجة. ثمّ أين تجد العربي المحب للغته الذي يموت وليس في نفسه شئ من حتى. ولا ضير في الغوص في دقائق اللغة ودراستها بشيء من التفصيل لو أن ذلك أقتصر على ذوي الشأن من أهلها. لكن الذي حصل أن المجتمع كله أثقل بهذه الهموم فتصورها غاية العلم ومنتهى أمله. فحدث الخلل إذن من خلال نشر الخاص من أبحاث اللغة العربية على المجتمع الذي لا حاجة له بها، والتوسع في الفروع وفي مسائل الخلاف بما يجلب الملل لغير المتخصصين. لذا العربي القح الذي يتقن اللغة على الفطرة يعجب من هذه التقعيدات والتعقيدات وقد يصدّق من يقول بصعوبة اللغة وهي طوع له. وهذا النهج قاد في النهاية إلى أمرين: إحباط الخاصة وعزل العامة. فالإحباط آت من الإغراق في مسائل البحث وبالتالي ندرتها، والعزل للعامة جاء جراء تعالي الخاصة على من سواهم مع ما هم فيه من عناء. ثمّ إنه لا ضير من الغوص في دقائق اللغة ومكنوناتها، ثانيةً، لو صاحب ذلك غوص في العلوم الأخرى التي هي أساس عمران الحضارة وحامي حوزتها. لكن الجانب العلمي الأخر أصيب بشلل كامل بالرغم من قدرة العربي على الإبداع فيه كما أبدع في علوم  اللغة والشّعر. نعم أن صناعة الكلام لم يصحبها صناعة فيما سواه من فنون التقنية المختلفة. ولو حصل ذلك، لتغير النهج الذي تسير عليه البشرية بخطى حثيثة نحو المجهول في عالمنا اليوم. فالعربي أو المسلم الصّادق أحرى بقيادة العالم من غيره لما هو عليه من بينة في النهج الكلي الذي يتحرك من خلاله.

    

وبالرغم مما أنتجه الأوائل  في اللغة ولأدب، فإن بعض مثقفي العرب ينظرون إليه  على أنه لا يمثل منهجًا بينًا يمكن توظيفه في صياغة مشروع  ثقافي عربي أو قل نظرية ثقافية عربية في إي من أصناف الفنون المطروقة. ولن نجهد أنفسنا في الرد على هؤلاء،  لكني أقول لو أن ما أبدعه العربي في اللغة والشعر أتى إلينا من قبل الغرب، لاتّخذنا من كل كلمة مصطلحًا، ومن كل سطر نظرية. لكن المثقف يريد أن يوهم المتلقي العربي أنه اطّلع على فنون الأمم الأخرى فيبادر إلى انتقاص ما لديه تمهيدًا لإبراز ما لدى الآخرين خدمة لذاته على حساب أمته. وهذه بلوى لها مجال آخر يطول الحديث عنه.

 

ونأتي هنا إلى الجانب المتبقي من القضية المطروحة، ألا وهو دعوى أن اللغة لها أربابها، ولا تتأتى إلا لدارسيها. فنقول صدق من قال هذا لكنه صدق لا يقع عصرنا هذا في محيطه. وفي طرحه بهذه الصيغة ما فيه من المشقّة على عقول النّاس.  نعم اللغة لا تتأتى إلا لدارسيها، لكن أي نوع من الدراسة هو المقصود. أيعنى به القعود على مقاعد الدرس كما هو حاصل اليوم؟ أم هناك وسائل أخرى لم توظّف كما يجب. إذا كان المقصود هو التدرج في المدارس من الابتدائية إلى الجامعة كما نحن عليه، فهل ما يخرج به المتعلم من علم في اللغة يكافئ  قدر السنين التي قضاها في طلبها. أي هل لديه من العلم فيها بقدر ست عشرة سنة من العمر قضاها متلقيًا في فصول الدراسة. أعتقد أن الجواب هو النفي فالشواهد تخبرنا بذلك، ولا حاجة لنا بدراسة ميدانية لتأكيد هذا الاستنتاج. ثم هل لنا أن نسأل هل قضى العربي الأول في تعلم اللغة ولو ربع هذا الوقت فنستأنس بفعله ونعلل طول الأمد في عصرنا بأسباب أخرى. لا شك أن اللغة لا يحاط بها. لكن من المعلوم أن لها مصادرها ومنابعها التي يجب الاهتداء إليها والاجتهاد في معرفة الوسيلة التي تنهل بها. والعودة إلى الكيفية التي تعلّم بها العربي الأول لغته مهم جدًا لنا في عصرنا هذا. وقد لا نرسل الفرد إلى البوادي لتعلم اللغة، وإنما نرسله إلى مدرسة تجيد اللغة العربية وتفتخر بأن مدرسيها وطلبتها يتكلمونها بطلاقة ويتعلمونها بشغف.

 

ولا شك أن الشّاعر هو من أكثر النّاس تأثرًا باللغة ومن أحسنهم استجابة لها وفهمًا لمقتضاها. وهذا معلوم ولا جديد فيه. لكن الأهم منه هو أن الشّاعر يصبح في مرحلة ما من حياته رافدًا  من روافد اللغة بالنسبة لغيره. ولن أستدل بأدلة من الشعر العربي المألوف فلقد أُشبع بحثًا في كل جوانبه، وأكتفي منّه بالإشارة إلى "قاموس" أبي العلاء المعري اللغوي  الذي يلمسه قارئ كتبه وأشعاره. لكني سأورد مثالين من شعر العرضة  لشاعر لم يزل بيننا هو محمد الغويد الغامدي. يقول الغامدي في إحدى قصائدة التي لا أحفظ إلا بعض أبياتها. 

البدع:

شال الجمل متّنه وخفه

يطلع به الريع الوسيع   

 

 والرّد:

يارب عقلي لا تخفّه

أسير في الدنيا واسيع

 

والكلمات واضحة المعنى عدا كلمة (أسيع) التي دعتنا إلى الاستدلال بهذه الأبيات. فإذا ما رجعت  إلى القاموس وجدت (ساع)  بمعنى (ضاع). فالشّاعر يقول اللهم لا تخف عقلي، فأضيع في الأرض وأهيم فيها بلا سبب. ويقول صاحب لسان العرب، قال سويد بن أبي كاهل اليشكري:

وكفاني الله ما في نفسه        ومتى ما يكف شيئًا لا يُسع

أي لا يُضَيَّع. 

المثال الأخر للشاعر نفسه يقول في نهاية قصيدة من عشرة أبيات على ما أذكر:

 

كثرةّ الغَشّنة علينا تضيّع وقتنا.

 

وهو في هذا يتذمّر من الجمهور ويقول كثرة تجمعهم على الشعراء في ساحة العرضة يضيّع الوقت على الجمبع. واللسان يوحي بمثل هذا المعنى، ولو لم يصرّح به، ولا عبرة بالقاموس، إذا لم تثبت غرابة اللفظة من نواح أخرى. هذا ولم أقرأ  أو أسمع عمن وظّف هاتين اللفظتين توظيفًا صحيحًا دون تكلف كما فعل الغويد في أبياته. بقي القول أن شاعرنا لا يجيد وسيلتي القراءة والكتابة، لكنه يجيد اللغة.

 

د. ظافر القرني

 

 

عدد زوار الموقع

جميع الحقوق محفوظة 1426 هـ