قول
في الشعر (5)
تكلمنا
فيما مضى عن
عوامل ثلاثة
أثرت، فيما نرى،
في حال اللغة
العربية
والشعر. وكان
آخر هذه
العوامل هو
دعوى أن اللغة
العربية
صعبة، ولها
أربابها، ولا
تتأتى إلاَّ
لدارسيها
وغير ذلك مما
يقال. ونأتي
الآن إلى
التفصيل في
تسمية بعض
الشعر
بمسميات عشوائية
لا تنبئ عن
حاله إذ فيها
تجاوز أو قصور
واضح. ولا شك
أن من أسلم
السبل، ومن
أنجع الحلول
لأي مشكلٍ أن
تسمى الأشياء
بأسمائها
التي تمثلها
فلا تتجاوزها
في معناها إلى
غيرها ولا
تقصر عن
نطاقها أو
مداها.
والمتتبع
للشعر غير
الفصيح يتردد
في قبول أسمه
الذي يطلق عليه،
بل قد يعجز في
فهم خلفيات
هذا الاسم وأسبابه.
فهل هو شعر
شعبي أم نبطي
أم عامي أم بدوي؟.
أعتقد أنه ليس
بأي منها ولا
بكلها. فهو ليس
شعبيًا، لأن
الشعبية صفة
تتجاوزه إلى
غيره، فنحن
نسعى لكي تكون
الثقافة
شعبية،
والحضارة
شعبية،
والنهضة
شعبية،
والتطور
شعبيًا، أو
نريدها أن
تكون شعبية،
أو ينبغي أن
تكون كذلك،
ثمّ نرفض صفة
الشعبية في
الشعر الفصيح،
فنضيّق عليه
الخناق
ونحصره في
دائرة ضيقة. وهو
(غير الفصيح)
ليس بعاميّ
لأن كثيرًا
ممن يقوله
ليسوا من
العامة ولا
يعدون منهم
بمجرد القول
به، إذن هو
ليس شعر عوام
بإطلاق. ولو
صحت التسمية،
لانتفت صفة
الفصاحة في
العامة وهي
مبثوثة بينهم.
ثمّ أنه ليس
بنبطيٍ إذ هي
تسمية نختلف
في نسبتها
ونختلف في
تصنيف الشعر
على أساسها.
والذي أراه أن
النبطية صفة
قاصرة جافة لا
تحتوي المسمى
ولا تلتصق به
كما ينبغي.
ثمّ أنه ليس
ببدوي لأن من
أهل الحضر من
يعشقه ويقرضه
ويتغنى به.
وقد نتغاضى
عن هذه
المسميات،
فنقبل ببعضها
ونتجاوز في
إطلاق بعضها
الأخر عليه،
لكن الخلل
يتضح عند
مقارنة هذا
الشعر بالشعر
الفصيح. فلقد
أصبحنا نقرأ
كثيرًا من
العبارات مثل:
· بين الشعبي
والفصيح
· كلمات
شعبية أصلها
فصيح
· مفردة
شعبية
· أمثال
شعبية
· فصيح
الشعبي
فالمقارنة
هنا تقع بين
مسميين
مختلفين، فالشعبي
صفة مردها
القائل
والمتلقي (أي
الإنسان)،
والفصيح صفة
مردها اللغة.
إذن المقارنة
لا يستقيم لها
وجه وتجرّ
وراءها ما
تجره من التبعات
المتناقضة
الكثيرة. من
هذه التبعات
نفي الشعبية
عن اللغة،
ونفي الفصاحة
عن الشعبي
والعامي
والبدوي،
وتعميق الطبقية
على غير هدى،
وقتل الفصيح
من حيث يراد
إحياؤه.
ومنها أيضًا
امتداد أثر
هذا الفصل بين
الشعبية
والفصاحة إلى
حقول أخرى من
المعارف
والعطاءات
التقنية. فنحن
بتقسيمنا
النّاس إلى
فصحاء
وشعبيين
كأننا نحدد
مسبقًا الفئة الأجدر
بالإبداع،
التي يتوسم
منها الرقي بالأمة
وما عدها لا
نفع فيه. وفي
هذا تجاوز
خطير وخلط في
المفاهيم ليس
بيسير. ثم أنه
بقولنا الفصيح
والعامي أو
الفصيح
والبدوي نقع
في المشكلة
نفسها، بل أن
البدو أهل
فصاحة وهم
أحسن من غيرهم
في اللغة. ولو
قلنا أن أهل
الفصاحة هم
الخاصة مقابل
العامة، فنحن
بهذا نضع حدودًا
ثابتة ساكنة
لحالة
ديناميكية
متغيرة، أي لا
تستقر على نمط
معين؛
فالحركة بين
الوضعين أشبه
بحركة السائل
المتدفق،
بينما التسميات
أشبه
بالأسوار
المتينة التي
لا تتزحزح من أماكنها.
إنها حركة
كحركة السائل
لكن مادتها هو
الإنسان.
ويمكن أن يتضح
لنا جانب من
الصورة لو
سألنا أنفسنا
السؤال
التالي: هل
الخاصة خاصة
في كل الشؤون،
والعامة عامة
في كل
الشؤون؟. لا
أظن ذلك.
قد نختلف
في المسميات
وأبعادها
ومدلولاتها،
لكن ما لا
نختلف عليه أن
الشعر في
العربية أما
أن يكون
فصيحًا أو غير
فصيح فصاحة
تامة. وتبقى
المشكلة إذن
في البحث عن مسمى
يطلق المقيّد
ويقيد المطلق.
وإذا كان لي أن
أقترح، فنقول:
شعر فصيح وشعر
ملحون (بالحاء
وليس بغيره).
وقد نأتي بصيغ
من ملحون
فنقول شعر
مُلحن أو شعر
اللحن أو
الشعر
اللّحني. ولا
نقول شعر فصيح
وغير فصيح لأن
في الأخير
فصاحة في بعض
كلماته
وتراكيبه لا
تخفى على مهتم.
ولا أزعم أن
مسمى الشعر
الملحون من
عندي فقد قال
به أُناس
كثيرون. لكن
ما قدمته هنا
هو تأييد لهذه
التسمية وحث
على
استخدامها،
ولذلك فوائد
كثيرة لا يحاط
بها هنا. من
هذه الفوائد
الراحة
النفسية
والاطمئنان
والشعور بالرضا
عند المقارنة
بينه وبين
غيره من الشعر،
وعندما يعطى
كل ذي حق حقه
دونما تجاوز
أو حيف. ومنها
المحافظة على
اللغة
العربية
وطلبها ممن
يتقنها بصرف
النظر عن
مستواه
العلمي أو حالته
الاجتماعية.
ومنها الحد من
تصنيف النّاس
حسب الأهواء
وجعل التدرج
المعرفي بين
الناس
انسيابي
الحركة لا
فواصل فيه ولا
فجوات تزيد من
تشتته، أو
بمعنى آخر،
ردم الفجوات
التي تحدثها
المصطلحات
العشوائية
بين النّاس . ومنها
إعطاء الحرية
لمن يريد أن
يعبر عن مشاعره
بما يجيده من
قول والتفاعل
معه بالأخذ
والرفض إذ
الأطر محددة
والأهداف
مرسومة، وغير
ذلك مما لا
يحصى.
نخرج من
هذا إلى أن
اللغة هي رابط
وثيق من روابط
الأمة ودعامة
من دعائم
نهضتها.
واللغة العربية،
كغيرها من
اللغات، تضعف
بضعف أهلها وتقوى
بقوتهم.
ومعايير
الضعف والقوة
تختلف من زمن
إلى زمن، ومن
أمة إلا أمة،
بحسب ما توصّل
إليه الإنسان
من معارف وما
أتقنه من
صناعات.
وعوامل ضعف
اللغة أما أن تكون
خارجية، أو
داخلية.
فالخارجية ما
صدر من أعداء
الأمة من كيد
ومكر وعدوان
لإضعافها، والداخلية
ما صدر من
الأمة ذاتها
بعلم أو بدون علم.
واللغة
العربية
ضعيفة من
الناحية
الأولى إذ قوة
غير أهلها ضعف
لها بلا شك،
في عالم لا
يحكمه العقل
ولا تسوده
الحكمة،
وإنما تتجاذبه
الأهواء وحب
السيطرة
والعلو في
الأرض. فلا
يجب تعزيز
العامل
الخارجي بآخر
من الداخل
فنصل باللغة
إلى مستوى لا
مثيل له في
الهوان
والضعف. وأحسب
أن تصنيف
اللغة حسب
أصناف النّاس،
في المجتمع
الواحد، عامل
مهم في تشتيت
اللغة
والنّاس معًا.
هذا والله من
وراء القصد
وهو الهادي
إلى سواء
السبيل.
د.
ظافر القرني