الشعر ليس بتداع فكريٍ يمارسه هواته لإسباب ودواع تتغيّر بتغيّر الحياة، ولا بهاجس ليلي يمارس شيئًا من التمرد على محبيه، بل هو نشاط حيوي يشارك -إذا ما هذّب نفسه- في تهذيب الثقافة وبناء الحضارة. وهو بصورة أشمل مرآة الأمة التي تعكس واقعها لها ولغيرها. وإذا و

قولٌ في الشعر (6)

 

تكلمنا في الحلقة الماضية عن مسمى الشعر الشعبي، وقلنا أنه لا ينبئ عن حاله. وأشرنا إلى إن مما يجعل القارئ أكثر نفورًا من هذه التسمية، كثرة المقارنة بين الشعبي والفصيح والربط بينهما في كثير من الكتب التي تزخر بها المكتبات لدينا، وفي الصحف المنشورة بين يدي الناس كل صباح، وفي غيرها من وسائل الإعلام، على الرغم من أن الشعبي صفة القائل والفصيح صفة المقول. وذكرنا أن لمثل هذا القول أثارًا على المجتمع كثيرة منها وضع حواجز لا وجود لها في وجه التدفق المعرفي، والعطاء الإنساني، والتكامل الثقافي والمعنوي في الأمة. وحديثنا اليوم ينصب على عامل آخر من عوامل ضعف الفصيح أو عدم شيوعه بين الناس، وخموده إلا في أحايين معينة نادرًا ما تحدث،  ألا إن هذا العامل هو فقد ألحانه وطرق أدائه وتحويل بحوره إلى صنعة تتعلم كما تتعلم التجارة والزراعة وغيرهما من الحرف. وقبل الدخول في الموضوع الأساس، نقدم بمقدمة مهمة، فنقول:

 

الشعر ديناميكي الحركة، قوي الاندفاع،  يكره السكون ولا يستقيم له حال مع الراحة والطمأنينة. والشعر عدو النوم وعدو ما هو فيه، فتقلبه أساس حياته. والشعر حالة تتمرد على كل حالة، وكائن يتمرد على كل شيء ، حتى على حامله وعلى نفسه ونمطه. والشعر لا يطيب له المقام في المكتب الجميل الفاره ذو الألوان المخملية الجذابة، إلا ريثما يتهيأ لاقتحام سكون الصحراء وزرع الحياة فيها، أو الدلوف إلى شاطئ البحر وبث موجة مفاجئة في طرفه يتوالد منها موجات تترى، إذا لامست أُولاها الشاطئ الآخر،  انتفض وشعر بالحياة من جديد.

 

والشعر لا يعرف القناعة، ولا يعترف بالقصيدة الأساس، ولا بالبيت اليتيم،  ويطمع إلى ما هو أجمل وأحسن، ولو لم يحصل له ذلك.  والشعر فنٌ وثقافةٌ وباعثُ علم، مضل وهاد، صديقٌ وعدو، ألم يقل عنه قائل ذا زمانٍ:

 

أبيــات شـعريَ أبنائي أسيرهـم    إلى الحياة وهم سـمعي وإبـصاري

وسـوف أمحضهم نصحي وأجعلهم     قبلي إلى الخير في عسري وإيساري

وهم، على ذاك، ســرٌ لا يحاط به    في السلم ضدي وفي الهيجاء أنصاري

 

كيف هم أبناؤه الذين يؤثرهم على نفسه في العسر واليسر، ولا يرى ويسمع إلا بهم، ثم هو متفانٍ في إسعادهم، والسعي من أجلهم، لكنهم بالرغم من نصرتهم له في الهيجاء،، والوقوف بجانبه ساعة المكره ينافحون عنه بما أوتوا من قوة، فهم في السلم ضده، فكيف يكون ذلك؟ أما يستفز الشعر الشاعر وهو في مهيعه، أما يختطفه من أعين النوم، ويستله من العصبة المتألبة على قتل الليل بالضحك والمسامرة، ليمتهنه وحده في زاوية من منزله أو في فضاء من فضاء مدينته أو قريته أو صحرائه. أعتقد أن هذا هو ما قصده الشاعر بقوله في السلم ضدي وفي الهيجاء أنصاري.

 

والشّاعر لا يستقر على حال، يتمرد على النمطيّة والرتابة،  ويحب المغامرة ولو لم يبارح مكانه. لقد لخص المتنبي هذه الديناميكية في الشعر وبين حاله معها وهو نموذج للشاعر، وشعره نموذج للشعر، فقال في إحدى قصائده:

 

فما حـاولت في أرضٍ  مقامًا     ولا أزمعت عن أرض زوالا

على قلقٍ كـأن الريـح تـحتي   أوجهها جنـوبًا أو شــمالا

 

والشّاعر يرى ما لا يراه النّاس ويسمع ما لا يسمعون. وقد يستمع إلى بعضهم في مسامرهم، فيأخذ من أخبارهم فيسوقها في قول أجمل من قولهم، فيُتّهم من قبلهم بتعامله مع الجن وهو لم يتعامل إلا معهم ولم يستمع إلا إلى ما استمعوا إليه. أما نسمع كثيرًا عن قول فلان جاءه الشعر عن فلان من الجن. أو فلان نام في بيت مهجور، فأصبح شاعرًا، أو سقاه ساق في ليل أظلم، فنطق بالشعر. ومثل هذا القول اتهام  قديم قدم الشعر،  فلامرئ القيس عفريتٌ خاص به وللأعشى مثله وهكذا لبقية فحول الشعراء. وأعتقد أن سكوتهم على مثل هذا الادعاء الذي تعوزه البراهين، هو لتعزيز مكانتهم في قلوب النّاس، وإن شئت فقل هو من باب {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا}.

 

هذه المقدمة الخفيفة على من خفت روحه إليها، تخبرنا أنه لا يمكن أن يقنع البحر الواحد في الشعر  العربي باللحن الواحد.  كما لا يمكن أن يكتفي البحر الواحد بنمط واحد من كيفية الأداء أو الإلقاء. إذن لا بد من التسليم بأن ألحان الماضي لم تحفظ، وأن ذهنية الحاضر فشلت في ابتكار الحانٍ جديدة تعيد للشعر بعضًا من توهجه وتأثيره. أردت بهذه المقدمة أن تكون إرهاصًا لما بعدها، أجتهد في إبراز جانبٍ منه في المقالة القادمة فهو أوسع من أن يعالج في حلقة واحدة. هذا وبالله التوفيق.

  

                                               د. ظافر بن علي القرني

 

 

 

عدد زوار الموقع

جميع الحقوق محفوظة 1426 هـ