قولٌ في الشعر (7)
ناقشنا في الحلقة الماضية بعضًا من أسرار الشعر، وقلنا أنه ليس
بنعمة ولا بنقمة. فهو سلاح أن لم توجهه إلى الأخر وجّه حرابه إليك. وقلنا أنه كائن
متحرك نشط. وهذا السكون الذي يعيشه الفصيح اليوم سكون غير لائق به. ونحاول في هذه
الحلقة بسط القول في هذه القضية فنقول: مما يدل على فقد ألحان الشعر الفصيح توّحد
أدائه في جميع أصقاع الأمة العربية والإسلامية الناطقة بالعربية الفصحى. فهو يقرأ
قراءة عادية باهته قد يتخللها شئ يسير من المحسنات الصوتية لدى بعض الشعراء. وما
طريقة إلقاء الشعر الفصيح كما نفعل اليوم إلا لون واحد من ألوان الأداء الكثيرة،
لكن ربما أهملت كلها وبقي هذا لسهولته ويسره، والله أعلم. ولو نظرت إلى الأدب
الملحون لوجدت البحر الواحد يٌقال بألحانٍ مختلفة في المنطقة الواحدة. وتكاد تجزم
من كثرة ألحان البحر الواحد منه أنه استوفى ألحانه، فإذا بشاعر يبتدع لحنًا آخر لم
يُسمع من قبل. كما أنه من شدة اختلاف بعض الألحان فيه عن بعضها الأخر، يظن السامع
أنه يستمع لبحر مختلف بينما هو يستمع للحن من الحان البحر نفسه. وتنتقل من إقليم
إلى إقليم في البلد الواحد، فتجد البحر ذاته يؤدى بألحانٍ مختلفةٍ عما ألفت من
قبل. وترصدها من كثب، فتجد اللحن يشيخ بل يندثر كما يندثر الإنسان، والبحر من
الشعر كذلك. وأظن أن الخليل بن أحمد لو لم يقعّد لنا بحور الشعر العربي المعروفة،
لفقد بعضها وحلّ غيرها محلها. وبالرغم من أهمية ذلك التقعيد أو الاكتشاف إلا أنه
جمّد حركة الشعر الفصيح حيث دار اللاحق في فلك السابق ولم يحاول التحليق في أبعد
منه، إلا فيما ندر. كما أنه فتح باب التكلف أمام النّاس فمن لم يقرض الشعر
بالفطرة حاول أن يقوله بالعلم. والخليل بن أحمد لم يعمد إلى كشف بحور الشعر
العربي لنتمسك بها إلى أن تقوم الساعة، وإنما رصد حركة الشعر في عصره، فجاء بما لم
يسبق إليه من قبل.
وضرب الأمثلة من الشعر الملحون أكثر إيضاحًا للمقصود من غيره إذ هو
مقرّب للواقع، كاشف له، ملتصق بهموم النّاس، محبب إلى نفوسهم. ويشترك مع الفصيح في
البيئة والإنسان مما يجيز لنا النظر إلى أحدهما من خلال الأخر إن أمكن ذلك. ثمّ أن
دراسة الفصيح من خلال الفصيح ذاته قد يخفي بعض الحقائق عن الدارس، بينما دراسته من
خارجه تجعل الناظر في حلٍ من كثيرٍ من المؤثرات الحافزة للنتائج. إذن الأجدى هو
دراسة الشعر الفصيح، أو التعرّف على ما نجهله عنه، من خلال أقوال الشعراء أنفسهم،
أي من خلال الشعر المسموع. فالشعر الفصيح ساكن الحركة كما تقدم، يقرأ مكتوبًا أكثر
مما يسمع منطوقًا، فيكون الملحون نافذة للنظر إليه ومحاولة التعرّف على بعض
ألحانه التي كان يؤدى بها وعلى الأساليب التي كان يتداول بها أيضًا. فلدي إحساس
أن صوت العربي هو مسيقاه، وأن الصولة والجولة التي يتمتع بهما الشعر الملحون اليوم
كانتا للفصيح من قبل. ومقارعة شعراء الملحون لبعضهم كما نشهد اليوم مستقاة من
مقارعة الفصحاء لبعضهم، فإن تأثرت أو تبدلت اللغة، فالطبائع على ما هي عليه، وليس
من السهل تَبدُلها أو اندثارها. لذا أحاول هنا أن أقدّم بعض الأمثلة الحيّة التي
تشير إلى تغيّر الألحان المتبوع بتغيّر الأوزان (أو البحور). وأكتفي بمثالين، من
شعر العرضة الجنوبية التي تمارسها القبائل المنضودة على شرفات جبال السروات من
الطائف إلى أبها، فالأمثلة لا تكاد تحصى.
المثال الأول: يقول أحد شعراء البظاظة من دحيم ببلقرن قبل ما ينيف
على نصف قرن في قصيدة يخاطب بها زميله الشاعر ظافر بن عامر من العلاية:
يا بو حجرْ جيتْ واسلّمْ عليكْ
تسليمةٍ تبلغْ القاصي والأدنى
وأحطْ دوريةٍ وملازمِ
الرّد:
ياظافر اسمع لسيدك ما عليكْ
ما نشري المرت ونربي ولدنا
إلا يجي مثل جده لازمِ
و (بو حجر) هذا هو سوق السبت المعروف بسبت العلاية، حيث اشتهر هذا
السوق بصخرة صغيرة بقيت في جهته الغربية إلى عهد قريب. فوظف الشاعر هذا الرمز
لخدمة غرضه، فبدلاً من أن يسلّم على أهل السبت رمز لذلك بهذه الصخرة المعروفة. وفي
ردّه أدرك أن الشاعر القدير ظافر بن عامر غير موجود في الحفل على غير عادته، أو
على غير ما يتوقع منه، فعرف أن وراء ذلك سببًا ما منعه من المشاركة. فحثه على
التنازل عمّا لحق به من خطأ ، وعلى النزول إلى ساحة الحفل وتحمل المسؤولية كما
يجب، فنحن ما نربي ولدنا إلا ليكون مثل جده في صفاته ولابد.
ولا يهمنا هنا معنى القصيدة، فهو
أعمق مما قلت لكني أوردتها لاستشهد بها على تغير الذائقة الشعرية حسب إيقاع الزمن
وظروفه. فشاعر الجنوب اليوم لا تستقيم ذائقته مع البيت الثاني في البدع والرد. فلا
تجده في هذه القصيدة يقول (تسليمة تبلغ القاصي ولأدنى) ولا يقول (ما نشري المرت
ونربي ولدنا) حيث اللحن لا يستقيم له ويشعر بثقل البيت عليه. ولو غناها، بغض النظر
عن المعنى، لاضطر إلى حذف (نى) من البدع و(نا) من الرد. فيصبح البيتان هكذا:
(تسليمة تبلغ القاصي ولد) و (وما نشري المرت ونربي ولد). إذن اللحن تبدّل وتبدّل تبعًا
له الوزن (أو البحر) كما نرى. وللحديث صلة.
د.
ظافر بن علي القرني