الشعر ليس بتداع فكريٍ يمارسه هواته لإسباب ودواع تتغيّر بتغيّر الحياة، ولا بهاجس ليلي يمارس شيئًا من التمرد على محبيه، بل هو نشاط حيوي يشارك -إذا ما هذّب نفسه- في تهذيب الثقافة وبناء الحضارة. وهو بصورة أشمل مرآة الأمة التي تعكس واقعها لها ولغيرها. وإذا و

قولٌ في الشعر (8)

 

إذن، فالشّاعر يسأم من تكرار اللحن ، ويعشق الجديد غير المسبوق إليه. والشاعر الحق لا يهمّه البحر أو التفعيلة التي تحدد بحر  الشعر المستخدم، إنَّما يهمه الابتكار والإبداع، وهو لا يكون مقلدًا أبد الدهر. ولو بقي الشاعر مقلدًا فمن يكون المجدد المبتكر في اللغة والشعر.  من هنا جاز لنا أن نقول أن اللحن هو الأساس ولابد من تعدده، ويتبعه البحر ولا ضير من تغيره. وفي هذه الحلقة، من قول في الشعر، نأتي إلى المثال الثاني المشار إليه سابقًا في سياق  توظيف الشعر الملحون في معرفة بعض أسرار الشعر الفصيح، متخذين من البيئة الجنوبية مجالاً للنظر، فنقول: من الأشعار التي رواها لنا الأجداد عن شعراء جيلهم ما يأتي على المنوال التالي:

 

البدع:

من بعد طول الانتظارْ

زادت عليك الغِيرةْ

وتعبت من كثر الجري

 

الرّد:

ما انت بمفيدْ ولا أنت ضارْ

لانّا  بيوم الغَيرةْ

بان المولي والجري

 

آثرت بدع هذه القصيدة من عندي فقصائد الماضي قد يؤوّلها من لا يحسن الاستفادة منها إلى ما لا يسر. والتجاوز المشهور في مثل هذا الشعر واضح في تسكين أواخر الكلمات، وفي تخفيف همزة (أنت) و (لأن) والجرئ في الرد. كما يلاحظ فيه التركيز على عنصر الجمال  اللفظي الجذّاب، فتكون القوافي متجانسة، رغم ما يحدثه هذا الالتزام من تجاوز في اللغة والمعنى لا يخفى على متابع. والمراد من المثال، أن شعراء اليوم لا يأتون بمثل البيت الثاني في قصائدهم، بل يجعلونه أقرب لمنوال البيت الأول، فتكون القصيدة  على النحو التالي:

 

من بعد طول الانتظار

أصبحت تجري دون طائل

وتعبت من كثر الجري

 

والرّد عليها مثل:

 

ما انت بمفيد ولا انت ضار

لمّا بدا دفع البطائل

بان المولي والجرئ.

 

هذا لا يعني عدم مقدرة شاعر اليوم على بدع الصيغة الأولى، لكنّه يفضل الثانية. قد يكون هذا دليل على تبدل الذوق الشعري وتغير النبرة (نبرة الحياة ونبرة الشعر). ولا يقول قائل هذا شعر عرضة وذاك شعر نظم وبينهما فرق، ولا يغرّنّك قوله. فهذه تقسيمات ما وضعت إلا لتيسير فهم الشعر ومعرفته، لكنَّها لا تثبت أمام ديناميكية الشعر التي ذكرناها سابقًا. فالمثلان اللذان أوردتهما هنا يصلح بحرهما في قصيدة النظم، وفي المحاورة ذات الصفين الثابتين، كما صلُح للعرّضة ذات الدائرة المتحركة.  ففي النظم تقول في المثال الأول، مثلاً:

 

ما نشري المرت ونربي  الولد     إلا يجي مـثل جـده لازمِ

وإن كان يوم الكريهة ما صمد     يحيـا حيـاة الحسـير النّادمِ

مـا يجلب الغانمات إلا الجلد      إياك تركن لغيـرك يا ادمي

وهكذا...

 

وتقول في المثال الثاني نظمًا:

 

أصبحت تسـعى دون طائل    وتعبت مـن كثـر الجري

من خـاض فـي قيلٍ وقايل    مـا ضـرّ لو يتهـم بري

ولا يـفرق فـي القـبـائل    إلاَّ الغشــيم العنصـري

                وهكذا...

 

أما في المحاورة ذات الصفين فجرّب بيتين من المثالين السابقين بلحنها متى ما سنحت لك الفرصة، وإن كنت ذا صوت جميل فلا حرج من تجريبهما الآن.

 

                                                                          بقلم  د. ظافر القرني

 

 

 

 

عدد زوار الموقع

جميع الحقوق محفوظة 1426 هـ