قولٌ في
الشعر (9)
هذان مثلان ضربتهما للدلالة على أمور كثيرة منها إمكانية تبدّل
الذائقة الشعرية لدى المجتمع. ولم نذهب في الأمثلة إلى أبعد من عدة عقود من الزمن،
فما بالكم لو تمكنّا من إيراد أمثلة من كل قرن مضى على هذا المنوال. كما لم أحاول
الإكثار من الأمثلة المتوفرة في هذا السياق، بل اكتفيت بالإشارة إلى بعض ما هجره
شعراء اليوم من ألحان الماضي، ولم أشر إلى ما أستجد من ألحان لم تعهدها الأجيال
السابقة. كما حصرت النظر في بيئة واحدة من بيئات المملكة المتعددة التي تزخر بفنون
متجانسة ومتباينة لا يمكن الإلمام بها في مثل هذا المقام.
وبالرغم من أهمية الأمثلة ودلالاتها، إلا أنه يمكن الاستغناء عنها،
بالنظر إلى الواقع المشاهد. فما يطرب أمة من النّاس من الفنون الشعبية قد يزعج
أخرى. ويكون الرضا عن نوع معين من الفنون بقدر قربه من النوع المألوف لدى
المشاهد. يتجلى ذلك، على سبيل المثال، في فني المحاورة ذات الصفين الثابتين،
والعرضة ذات الدائرة المتحركة، إذ يشتركان في ظهور شعر الرّد المرغوب من كثير من
النّاس. وكلما كبرت دائرة النظر، زاد التفاوت بين الفنون والتفاوت بين الرّغبات
أيضا. ويظل لكل لون جمهوره الذي يعشقه ويود لو لم يكن إلاَّ هو. ولو قدر لمن يتعصب
للون معين من الفن أن ينمو في بيئية غير بيئته لتعصب لفنها مثل تعصبه لفنه. فما
العوامل التي تجعل أهل البيئة الواحدة يفضلون لونًا معينًا من الفنون على آخر رغم
تباين الأذواق بينهم والثقافات والعصبيات فيهم. أعتقد أن من هذه العوامل:
(1) الظروف البيئة المحيطة المولدة لحركة ما جديدة.
(2) التواطؤ على تكرار هذا الحركة لتصبح فنًا.
(3) ترسيخ هذا الفن إعلاميًا وبثه بين النّاس، أيًا كان نوع
الإعلام المتاح.
وقد يستخدم الفن نفسه أداة إعلامية في المجتمع الذي تعوزه الوسائل
الإعلامية المستحدثة، كما كان يحدث في الماضي القريب في الجزيرة العربية من اتخاذ
العرضة وسيلة إعلامية لبث الحماس في النّاس استعدادًا لبدء المعركة الحربية، ومن
اتخاذها وسيلة إعلامية لنشر أخبار ما دار في جبهة القتال فيمن بعدهم. هذا التوظيف
مكّن فن العرضة من التأصيل وزاده محبة في نفوس النّاس. ولا نقصد بالفن هنا ما
يتبادر إلى الذهن عندما نسمع هذه الكلمة، فمعناها أكبر من ذلك بكثير. فالفن ما
تفنن صاحبه في إبداعه، كفن الصناعة، وفن الكلام وفن العلم وفن القصة وهكذا، لا فن
العود والطّرب الخامل فهذا لم يخطر لي ببال. ثمّ لو قال قائل ما دخل الشعر في هذه
الفنون التي ترمي إليها، نقول له الشعر قوامها جميعًا ولا شأن لها بدونه، فنحن
ننظر له من زاويتها بغية تلمس الدليل الصحيح على تطوّر الشعر بل تغيّره ومدى
استعداد الإنسان لقبول الجديد منه.
وما دام من تعصب لبيئة ما، تعصب لغيرها لو كان فيها، فلا عبرة
بالآراء المشوبة بالعصبية في الفنون عامة، والشعر واحد منها. إنَّما نفسح المجال
لمن تعصب لفن ما، كي لا نكدر عليه مزاجه، فالأمر لا يحتمل الجدال، ولا يجدر بنا
التوقف عنده كثيرًا، إلاَّ من باب التسلية وتزجية الوقت.
أخي القارئ: حاولت في هذه السلسلة من المقالات أن أشير إلى بعض
الأمور التي قد تضيف شيئًا إلى ما أبدعه المتخصصون في دراسة اللغة والشعر على
اختلاف مشاربهم. ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لسميتها قول في اللغة والشعر، لا
قول في الشعر فقط. وأشرت في بدايتها إلى أنها شبيهة بقاعدة المعلومات المتعارف
عليها في الفروع العلمية من المعرفة. وهي شبيهة بها، على الأقل، من ناحية قابلية
الاتساع والتطور في المستقبل. وهذا ما أهدف إليه بحول الله. ولقد تطرقت في هذه
الحلقات إلى قضايا عدة منها ما يلي:
أ: قضية المصطلحات في تسمية الشعر، والقول
بشعبية الثقافة.
ب: اللغة: أهميتها، روافدها، وتعلمها ....
ج: توظيف الشعر الملحون في دراسة الشعر الفصيح.
آمل أن أكون قد وفقت فيما أرمي إليه. وفي الختام
هذه أبيات من قصيدة بعنوان (اللغة العربية) أهديها لمحبي هذه الفتاة الجميلة،
أينما كانوا في هذه المعمورة:
صاليت كلّ عجيبة بزمـاني ولـقـيـت كلّ
بعيـدة بـمكاني
ما صارع الدنيا مصارعتي لها العـامران
مـجالـس الأشـجان
مـتنبي الأحداث قبل وقوعها وأبو
العلاء مـبصّر العـمـيان
أعمى ولكن السـبـيل سـبيله في سـاحة الإفـصاح والتبـيان
مازال ينصب في الوجود خيامه قل ياله من
عـالـمٍ غلـطـان
هذا زمان التيه في سبـل الهدى والخوض في
الصغرى من الأعيان
زمـن التودد للعدو أخي الردى والانفـلات
على القـريب الداني
زمن بـه الإنسان أوهى منزلاً مـن منزل
المذكـور في القرآن
وحياة أهل العرب فيه على رؤى تنبي عن
التشـتـيت والخـذلان
القـوم شـتى واللغات مريضة والفـكر يسـعى
في ربى التيهان
وبهـم فتاة الحي يهتك عرضها مـن كل باعـث
فـتنة وسـنان
تعـبت مـن التزييف والهذيان ممن تلفـع في
ثيـاب الثـاني
عـربية فوق اللغات جميعهـا محفـوظة بـمفـصل
ومـثان
حـملت مراد الله جلّ جـلاله أتنؤ من
معنى الضـعيف الفاني
إنّ الذي يرتاب في قدراتـهـا رجلٌ به
مسٌ من الشـيـطـان
د.
ظافر بن علي القرني