الملل من المألوف وطواعية اللغة
شعر العرّضة
الجنوبية أنموذجًا (1)
ما قبل المقدمة:
هذه سلسلة من المقالات عن شعر عرضة بعض قبائل
المنطقة الجنوبية الغربية من المملكة الممتدة على ذرى جبال السروات بين أبها
والطائف والمنتشرة على سفوحها الشرقية والغربية مشكلةً بذلك منظرًا عجيبًا يبدو
كنسر محلق أبد الدهر عين منه على البّر وأخرى على البحر في ظل هذه الدولة الأبية
التي ما فتئت تنشد العدل والأمن والاستقرار في زمن اختلت فيه الموازين وتضاربت فيه
آراء النّاس وأهواؤهم، نسأل الله تعالى أن يحفظها بأبنائها وأن يحفظ أبناءها بها
إنه سميع مجيب الدعاء. إذن موضوع الكتابة هو شعر عرضة بعض قبائل المنطقة الجنوبية
الغربية، لكنّا نطلق عليه تجاوزًا شعر العرضة الجنوبية لتعارف النّاس على ذلك.
ولا يقول قائل هذا أمر الكتابة في غيره أولى
منه، فلاختياره أسباب، منها: أن العرضة تحظى بجماهيرية عالية إذا ما قورنت بغيرها
من الفنون الأخرى ويطرب لها كثير من النّاس حتى من غير أهلها. ولو لم تحظ
بجماهيرية كثيرة، فإن الاحتفاء بالفنون واقع نعيشه، وكلما زاد اتساع دائرة الفنون
الممقوتة، زاد القبول بالعرضة لبعدها عن ما يشوب غيرها من شوائب لا تخفى على النّاس.
وهي فوق ذلك وسيلة من وسائل التواصل في الماضي والحاضر بين من هي فنّه، ثمّ أن
مادتها هي اللغة العربية التي نحبها جميعًا، والشعراء هم أهل اللغة والاستماع إلى
ما يقولون، بغض النظر عن لحنهم ولهجاتهم، له فائدة من نواح عدة ليس هذا مجال
سردها. ومن ينظر إلى شعراء الماضي من خلال شعراء العرضة قد يتكشف له حقائق عن
سبب خمود الشعر العربي الفصيح في عصرنا هذا، كما قلنا في سلسلة مضت منذ فترة ليست
بالطويلة في هذه الجريدة . على أن القول في موضوع كهذا لا يخلو من بعض المنغصات.
فإن تمثل الكاتب بقول شاعر من جهة ما لحسنه وبلاغته أو لمناسبته للتدليل، قيل أنه
متعصب له أو يود أن يسدى له خدمة ما فذكره. وإن استشهد بشيء من عنده أو حصر
أمثلته على نفسه قيل ألم يجد أحدًا غير نفسه ليتمثل بقوله. وإن ذكر اسمًا أو اسمين
عرضًا قيل لماذا لم يذكر بقية الأسماء المشهورة بمثل هذا القول كفلان وفلان؛ فتثور
ثائرة النّاس على لا شئ. رغم كل هذا سأجتهد في الموضوع وأبدأه بمقدمة مقتضبة في
العرضة الجنوبية، يتلو ذلك النظر في حال الشعر فيها من زوايا مختلفة، ثم أختتم
ببعض التصورات عن حاضرها ومستقبلها إن شاء الله تعالى. أمل أن أوفق فيما أرمي إليه
وأن يجد القارئ الكريم في هذه السلسلة من المقالات ما يمتعه ويفيده.
د. ظافر بن علي القرني
كلية
الهندسة
جامعة الملك
سعود