الملل من المألوف وطواعية اللغة

الملل من المألوف وطواعية اللغة

شعر العرضة الجنوبية نموذجًا (10)

 

لم يرد المثال الأول الذي ضربناه في الحلقة الماضية على الشقر الإيحائي الناقص ذي الرّد المؤتلف كما هو بل جاء مبتورًا مختلاً. لذا نضرب أمثلة أخرى من المسموع والمكتوب في هذه الحلقة والتي تليها حتى تتضح صورته، إذ هو كما قلنا، من قبل، أشهر أنواع الشقر الإيحائي شيوعًا بين الشعراء المتمكنين من التكلف. فنقول من الأمثلة الواضحة عليه أن يقول شاعر البدع ما يلي:

 

شفْ كلامْ الحقْ روضٍ تفوقْ ع الرياضْ

المعاني كالثمرْ والنصائحْ كالنسيمْ

والقصصْ يا من قرأ في القصصْ مثلْ المروجْ

أمةٍ ما تأخذْ من الكتابْ النّاصريةْ

والله دينْ الله ما نطلبْ المعذرْ  لها

 

إذا قال شاعر البدع هذا، فلا مندوحة أمام شاعر الرّد من أن يأتي بذكر مدينة الرياض في رده ثمّ يعرج على أحيائها الموحى بأسمائها في البدع. إذن أمام شاعر الرّد عدة أمور لا بدّ أن يتنبه لها كلها في آن. منها الإطار العام للقصيدة أو البناء الكلي المراد من جهة الشكل ثمّ المعنى الممكن تضمينه في القصيدة حيث تتفاوت القدرات في فن الحشو. أما ترى، أيها القارئ،  أن المسئولية زادت على شاعري البدع والرّد بشكل كبير حيث لم يعد المعنى ولفظ القوافي هما الهمّ الوحيد لهما بل جاءا بمسألة الإيحاء همًا جديدًا يجب الالتفات إليه وأخذه بعين الاعتبار. أي أن الشعراء تنبهوا لوحدة القصيدة من جهة الموضوع . فأصبح البدع يهتم بوحدة قصيدة الرّد من جهة اللفظ أو الشكل، والرد يتنبه لوحدة القصيدة من جهة الموضوع الموحى به من قبل البدع. إذا فُهم هذا، فممكن أن يقول شاعر الرّد مايلي:

 

يا مسافرْ خل وجهتك دائم للرياضْ

العريجاءْ كالشفاءْ والعليا كالنسيمْ

والعدالةْ قائمةْ والبديعةْ كالمروجْ

وأنتْ لا من جئتها لا تخليْ الناصريةْ

فالنفوسْ الهالكةْ يشفي المعذر لها

 

على الرغم من كثرة التكلف الملاحظ في هذا النمط من الشعر إلا أنه سرعان ما يكشف الشاعر المتمكن منه من غيره. بمعنى آخر، إن شاعر الشعر التلقائي (العادي) يمكنه الاستمرار في قول الشعر أمام أي شاعر تلقائي آخر متى ما فهم معناه ورد عليه كما ينبغي، لكنه هنا لا بد أن يتلقى الشكل اللفظي وبعض المعنى أو المعنى كله من غيره وقد لا يستوعبه كاملاً أو يتلقاه ناقصًا أو مشوهًا ثمّ يعجز عن بناء القصيدة المطلوبة منه سلفًا.

 

أما فيما يتعلق بتوظيف  أسماء الأماكن في الشعر الإيحائي، فيمكن القول أن من أحسن ما ييسر صعوبة التخطيط السليم للقصيدة توظيف أسماء العلم من أشخاص ومدن ومواقع ودول وغيرها في شعر الشقر الإيحائي. يوحي بها صاحب البدع في بدعه، فلا يجد صاحب الرّد لبسًا فيما يرمي إليه صاحبه، ويبقى عليه تحميل القصيدة بالمعنى الذي يريده وهنا تكمن الصعوبة. ومثال ذلك قولي مخاطبًا الشاعر محمد بن ظافر الشمراني قبل ما يزيد على عقد من الزمن:

 

بن علي مرّ من حفلٍ ورا مرقصْ

ما بدا القولْ بالتكذيبْ وغزائلْ

وبعد المعرفةْ يحكمْ مكاينها

كم سيوفٍ تصدْ النفسْ معوجة

وانا والله ما أنقلْ سيفْ معوجِ

 

فيرد الشاعر الشمراني بقوله:

 

رنية اللي تطريها ورا مرقصْ

والجبوب وقيا والدرب وغزائلْ

الملك دولته يحكم مكاينها

وادي السيلْ له منـزالْ مع وجّه

وانا كيفْ التقي منـزلهْ مع وجِّ

 

فالبدع إيحائي موحد المعنى لكنه غير متسق القوافي فهي لا تنـزع من منـزع واحد في المدلول اللفظي. أما الرّد فهو متسق في المعنى وفي لفظ القوافي. فـ "مرقص وغزايل ووج"  أماكن معروفة في المملكة وردت بأسمائها صريحة في الرّد وموحى بها في البدع كما هو واضح. كما أن رنية والجبوب و قيا والدرب ووادي السيل كلها أماكن معروفة.  على أن لكثرة توظيف الأسماء في اللقاء الواحد عيبه الذي لا يخفى على متذوق. وربما لجأ لها الشاعر المبتدئ كثيرًا، أما المتمرس فيوظفها بشكل لا يثير الملل والاشمئزاز لدى المستمع. سنأتي في الحلقة القادمة على بعض الأمثلة الأخرى لهذا النمط من الشقر ثمّ نعرج على أثره على العناصر الأربعة المألوفة التي هي الشعر والشاعر واللغة والجمهور كما هي العادة في هذه السلسلة من المقالات، فإلى اللقاء. 

 

د. ظافر بن علي القرني

 

 

 

 

عدد زوار الموقع

جميع الحقوق محفوظة 1426 هـ