الملل من المألوف وطواعية اللغة

الملل من المألوف وطواعية اللغة

شعر العرضة الجنوبية نموذجًا (11)

 

قبل أن استطرد في الأمثلة من المكتوب خلافًا لما عهدناه من الاستشهاد بالمسموع من الشعر، أريد أن أوضح شيئًا ما حول معنى كلمة المؤتلف الواردة في الأنماط السابقة من الشقر. فالائتلاف بين القوافي قد يكون من جهة اللفظ وقد يكون من جهة المعنى.  فمثاله من جهة اللفظ ما سقناه في الحلقة السابقة في قصيدة الشاعر الشمراني حيث تنـزع قوافيها من منـزع واحد ألا وهو المكان، فالناظر في قوافي القصيدة التي هي "مرقص، وغزائل، ووج"، يجدها جميعها مشتركة في المكان فهي مؤتلفة من جهة اللفظ، وللفظ متبوع بالمعنى بطبيعة الحال. أما المؤتلف في المعنى دون اللفظ فسيتضح في المقبل من الأمثلة. والأمثلة من المكتوب قليلة لكنها غير معدومة. فالمتصفح لما كتب أو جمع من أشعار يجد أمثلة على الأنماط التي ذكرتها كافة من شعر تلقائي وشقر عشوائي وشقر إيحائي لكنها ليست بنفس الكثرة في كل الأنواع، فأمثلة التلقائي منها قليلة جدًا. ففي الكتاب الثاني من الموروثات الشعبية لغامد وزهران لمؤلفه على بن صالح السلوك الزهراني عدد كبير من الأمثلة التي يتضح من خلالها فن الإيحاء في الشقر. من ذلك قول الشاعر علي بن جماح الغامدي المتوفى عام 1364هـ:

 

يا سلام الله على نمرٍ وله في كل هيج تروس

لو تقل للنمر بارز يا نمر من لطمه ذاق السم

وتقي الأرض والأملاك زادوا في تقى السما

حي لي ذا الحلف يا ما مالوفاء ومقطعين أمراس

الله يغفر زلتي لو قلت منهم واحد عن ميّه

خل عني صفة النذلان والله ما يجون بخير

قالة تاجي بها قوة وقالات بلا دواس

 

فيرد عليه عبدالله الزرقوي الغامدي،  المتوفى 1354 هـ بقوله:

 

يا علي جماح واجبنا لهذا العلم سبعة روس

للحليف اثنين وأهل شرا كماها وانشدوا ذا قسم

ولبن مسعود والباشهم رأس يتقسما

وبني ظبيان رأس وقريش لحاله الهم راس

شيل يا جماح مقسمكم لدعوى قبائلك عميّة

ومساعد ينتقل قسمه على جنبه وجنبه خير

يا فقيه الله يعينك واس بين أهل البلاد واس

 

ولن أشرح القصيدة رغبة في الاختصار، لكن أشير إلى أن شرا، وبالشهم وظبيان وقريش قبائل وأماكن معروفة. وما يهمنا هو الإيحاء الذي سرّبه  ابن جماح إلى الزرقوي،  وفي القدرة الذهنية لدى الزرقوي في توزيعه الوسام القبلي الرمزي المعروف في الماضي بقطعة (رأس) من القماش الأبيض يهدى معنويًا لكل من قام بعمل ترى القبيلة أنه مميز كالإصلاح بين المتخاصمين أو كالبسالة في  الذود عن حماها. وصفة البياض في هذا الوسام ترمز للصدق والصفاء وعدم الغش.  والرّد هنا مؤتلف لكن من جهة المعنى وليس اللفظ حيث القوافي لا يربطها رابط معين ولا تشترك في مشترك لفظي محدد. وهنا تمّ الإيضاح. ومثال آخر لعلي بن جماح من كتاب السلوك نفسه، حيث يقول الشاعر:

 

هب ريح من المشرق وهبت له رياح الصبا

واختلفنا في الهجرة ولا أعرف يميني من يساري

والدواء ما عرفنا له ولا نعرف الداء وش بنا

والهواجس توديني غميق البحر ومتى نعود

والذي ما معه شيء ما يغنّي مع أهل الشي بلحنا

طال غصن الهوى يا هله ويعجبكم تهزون به

 

والرّد منه:

 

يا غبوني على جهدي وشوفي وسمعي والصبا

كان يطري عليه الشوق وانا بغدر الليل ساري

واليوم أمشي بضوء الشمس والساق يدّاوش  بنا

كن في الرِّجل ثقالة وكن العصاة امتان عود

والذي ما عرفني قال من فين هذا الشيب الأحنى 

يتهزّا بلون الشيب والشيب يتهزون به

 

وقوله والشيب يتهزون به في آخر بيت من القصيدة  توكيد للتعجب ممن يهزأ بالشيب وليس ضعفًا في بناء القصيدة كما قد يراه البعض. والشاعر ما قال البدع إلا ليصل إلى الرّد الذي يحمل المعنى المراد إيصاله إلى المتلقي. ودليلنا في ذلك اختياره لقوافٍ معينة من مثل الصبا، والداء وش بنا، ومتى نعود، والشي بلحنا، وتهزون به، ليأتي بشقرها الحامل للمعنى المراد الذي هو الشكوى من الكبر، وتبدل مظاهر الفتوة بغيرها، وظهور الشيب وعدم توقيره من قبل النّاس.  هنا سميت هذا الصنف من الشعر بالإيحائي الناقص ذي الرّد المؤتلف، ائتلاف من جهة المعنى كسابقه لا من جهة اللفظ.

 

ونختم هذه الحلقة بمثالٍ ثالث من كتاب عبدالله أحمد المالحي الزهراني " من الأدب الشعبي بمنطقة الباحة" وهو كتاب جيد ضمّ العديد من القصائد في ألوان مختلفة من الشعر لكنه خلط بين الألحان فمرةً يسمي الجبل طرق اللعب ومرة يسمي اللعب "مجالسيُا أو مسحبانيًا أو غير ذلك مما يجعل القارئ في حيرة فلا يعلم هل هي أسماء مترادفة أم تداخلت عليه الألحان. ونعود إلى المثال فنجد محمد بن مصلح الزهراني يقول:

 

يا سلامي عليكم عد سيل على المنشا تهم

له رعود وله برق تحوشه على المنشا تغيره

وأهل وادي حلي لا شافوا السيل غاير شاتبوه

وبن مصلح يقل ريتوه وقت الضحى وعشا نشاته

خل ذيك الضريبة فوق الأرياع ما هي إلا عشاه

وأنت يا الشيخ عبدالله قد أبطيت ما هذي بطاوي

وأنحن ما قصدنا نأذي بحيٍ ولا يأذي بنا

 

فيرد عليه عبدالله البيضاني بقوله:

 

أنا مدري رعاة المال وش حصّلوا من شاتهم

اللبن يأخذه مالسوق وضحيته من شاة غيره

فازوا النّاس بالمكسب وهو ذا بيراقب شاة بوه

لا يقيل ولا يمسي ولا يستريح عشان شاته

ما يذوق الغدا والفال ماذا بيذوق إلا عشاه

والله ما يهتني نومه وهو يدري إن الذيب طاوي

ما بي إلا كباشة نجد يسري عليها ذيبنا

 

وهذه القصيدة كسابقتيها في الإيحاء. ويلاحظ التسيهل في بعض الكلمات ككلمة المنشا الواردة في البدع إذ هي تسهيل لكلمة المنشأ الفصيحة وكلمة الذيب في الرّد التي هي الذئب في الأصل. وشعر مثل هذا يقرأ بتسكين أواخر الكلمات كما هو معروف إلا فيما ندر منه. ولو أخذنا في شرح ما نستشهد به في هذه الحلقات لطال بنا المقام، لكننا نقتصر على ما يخدم الغرض المرسوم سلفًا. فنقول أما ترى أيها القارئ إلى القوة الخفية المشحونة بمهارة عجيبة في قوافي البدع ، كيف استطاع البيضاني أن يوظفها بطريقة تكاد تكون فريدة في نوعها، علمًا أن كل شاعر متمكن من هذا الفن يستطيع أن يرد على ابن مصلح برد مناسب، لكنك تكاد تجزم أن هذا الرّد هو أجملها على الإطلاق دون أن تطّلع على أي منها. وهذا هو الإجحاف، لكن ما قيمة الشعر إن لم يهدنا إلى مثل هذا. وللحديث بقية.

 

د. ظافر بن علي القرني

 

 

عدد زوار الموقع

جميع الحقوق محفوظة 1426 هـ