الملل من
المألوف وطواعية اللغة
شعر العرضة الجنوبية نموذجًا (12)
أثرت أن أرجأ الحديث عن أثر شعر الشقر الإيحائي
الناقص ذي الرّد المؤتلف على الشعر والشاعر واللغة والجمهور إلى أن نستكمل الحديث
عن ذي البدع المؤتلف منه حيث هما فرعان لأصل واحد. فنقول أن معنى شعر الشقر
الإيحائي الناقص ذي البدع المؤتلف -في أوضح حالاته- هو أن يستهلك شاعر البدع
المعنى تامًا في بدعه فيأتي صاحب الرّد موفيًا دونما معنى أو بمعنى غير ملائم.
فهذا الشعر في الصنعة أقل جودة من سابقه، ويأتي به من لا يجيد فن الشقر من
الشعراء، ولا يسلم منه إلا القليل لأسباب كثيرة منها أن يكون الشاعر جديدًا على
صنعة التكلف فيعوزه الإتقان من حين لآخر، ومنها أن يحتدم اللقاء بين الشاعرين
المتقابلين فتختل الصنعة ويباشر الإتلاف في اللفظ من قبل شاعر البدع فيختل موقف
صاحب الرّد ويضطر إلى التلفيق. ومنها ألاّ يكترث الشاعر بفن التكلف فيعمد إلى
الأدنى إليه من القول وهو بلا شك ذي المعنى الخالي من الزخارف اللفظية والإيحاءات
المركبة.
ويمكننا تصوّر حال الشعر الإيحائي ذي البدع
المؤتـلف، لو قمنا بقلب أي من القصائد التي أوردناها في الكلام عن ذي الرّد
المؤتلف، كقصيدة القدس أو قصيدة "أنا مدري رعاة المال" لبن مصلح
والبيضاني أو قصيدة الرياض أو قصيدة ابن جماح والزرقوي في الإصلاح بين المتنازعين
من عشائرهما، فجعلنا البدع ردًا والرّد بدعًا. ولا بأس من أن نورد قصيدة الرياض
كمثال على هذا، لتتضح الصورة. فلو قال شاعر البدع ما يلي:
يا مسافرْ خل وجهتك دائم للرياضْ
العريجاءْ كالشفاءْ والعليا كالنسيمْ
والعدالةْ قائمةْ والبديعةْ كالمروجْ
وأنتْ لا من جئتها لا تخليْ الناصريةْ
فالنفوسْ الهالكةْ يشفي المعذر لها
فتحت شرط الشقر، لم يبق لشاعر الرد غير التلفيق
من جهة اللفظ حيث أختل عليه نظام بناء قافية القصيدة من أول وهلة، أما من جهة
المعنى فهو وقدرته فيه، والتفاوت واضح بين الشعراء في هذا الجانب. اسمع لما يقوله
شاعر الرّد هنا:
شفْ كلامْ الحقْ روضٍ تفوقْ ع الرياضْ
المعاني كالثمرْ والنصائحْ كالنسيمْ
والقصصْ يا من قرأ في القصصْ مثلْ المروجْ
أمةٍ ما تأخذْ من الكتابْ النّاصريةْ
والله دينْ الحق ما نطلبْ المعذرْ لها
(ومعنى ما تأخذ من الكتاب الناصرية أي ما تأخذ
النصرة والمنعة من كتاب الله الكريم، ومعنى ما نطلب المعذر لها أي لن نعذرها في
تصرفها). إن هذا الرّد لا غبار عليه من جهة المعنى لكنه أختل موقعه من جهة اللفظ.
إذ بمجرد سماعنا لأول القصيدة نكتشف أن تاليها لن يخلو من تلفيق واضح في القوافي،
فتأتي غير مؤتلفة فيما بينها لتلائم قوافٍ مؤتلفة متّسقة. لذا فأن جزءًا من المتعة
المصاحبة للرّد الذي هو خاتمة القصيدة تتلاشى قبل سماعه. وبما أن المعنى استنفذ في
البدع وبقي الرّد مكملاً فقط لذا سميته ذا البدع المؤتلف. والمستمع لهذا الصنف من
الشعر يتيقن أن لو حرر شاعر الرّد نفسه في هذه الحالة من الشقر لكان أجدى. ولنأخذ
مثالاً آخر لنرى فيه اختلال اللفظ بعد القلب وما يطرأ على المعنى جراء ذلك، فلو
قال صاحب البدع على لحنٍ آخر ما يلي:
والله إنا ما أبتعدنا وصيّفنا
عن طريقٍ كل جاحد مصايفها
يا فتى ما ينفعك فيد الأغاني
خذ كتاب الله بداية ومنهاةٍ
خل للغاوي جنوحه وشـواله
ورد عليه صاحبه بقوله:
في ربوع أبـها نزلنا وصيفنا
ديرة الإسلام ما احلى مصايفها
الله ما اجمل ليلةٍ في دلغانِ
والذي يعرف سياتل ومنهاتن
ما درى فاين العبيلة وشوالة
لعرفنا أن القصيدة من ذوات الرّد المؤتلف
لسببين: الأول: لكون الرسالة المرجوة منها جاءت في الرّد، أو لكون رسالة الرّد
فيها أقوى من رسالة البدع كما هو واضح. والثاني لكون الرّد مؤتلف القوافي من جهة
اللفظ لاشتراكها كلها في المكان أو فيما يقتضي وجود المكان كالتصييف. فإذا ما عُكست
القصيدة ليصبح ردها بدعًا وبدعها ردًا، انعكست صفة الإتلاف تبعًا لذلك، أي تصبح
ذات بدع مؤتلف. وأحببت أن أورد القصيدة بهذه الهيئة ليتبين القارئ صفتي الرّد
المؤتلف والبدع المؤتلف في مثال واحد. ومن يورد القصيدة من الشعراء في حالة الرّد
المؤتلف يكون أعلى درجة في الإجادة ممن يوردها على الوجه الآخر. وسنحاول في الحلقة
القادمة تلمس بعض الأمثلة من المكتوب ما أمكن ومن المسموع فهي كثيرة فيه لقلة
المجيد من الشعراء في الأصناف الأكثر إيغالاً في التكلف. بقي أن أوضح هنا أن دلغان
متنـزه في عسير، وأن العبيلة وشوالة مدينتان من مدن المملكة، أما سياتل فمدينة
غربية من مدن أمريكا، ومنهاتن حي مخيف من أحياء مدينة نيويورك لا يدخله من لم يكن
مضطرًا لذلك.
د. ظافر بن
علي القرني