الملل من المألوف وطواعية اللغة

الملل من المألوف وطواعية اللغة

شعر العرضة الجنوبية نموذجًا (13)

 

قد يقول قائل كيف تجيز لنفسك قلب بدع القصيدة ردًا وردها بدعًا بهذه البساطة. فأقول إنما فعلت هذا تأكيدًا لظاهرة موجودة . إذ لو نظرنا في غاية شعراء الشقر المتميزين في الماضي والحاضر ثمّ قلبنا بعض قصائد من هم دونـهم في التميز، متجاوزين بذلك أهمية المعنى، لما لوحظ الفرق بين الإبداعين. وهذا دليل كاف مبين. بعد هذا الإيضاح، نقول إن من المتفق عليه بين شعراء الشقر المتمكنين منه دونما إفصاح منهم أن يُسبق المعنى المقصود بتمهيد لفظي يشير إليه بطريقة موحية. بمعنى آخر أن البدع يكون في الغالب لفظي الطابع أو شكليّه، بينما الرّد معنوي الطابع، لكن هذه القاعدة تنكسر لأسباب ذكرت فيما مضى من حديث. وجعل شعراء الشقر المعنى مسبوقًا بإيحاء لفظي هو إمعانٌ منهم في البعد عن المألوف، وفي تعقيد أسلوب الشعر لتتضح لهم مراتب الشعراء وقدراتهم. إذ مسألة الإيحاء ليست سهلة إلا على الذي لم يجربـها. وعلى هذا يعد لديهم صاحب الإيحاء أحسن قدرة من غيره من الشعراء. كما أن الخلط بين أبيات موحية وأخرى غير موحية في القصيدة الواحدة يعد عجزًا ونقصًا في قدرة الشاعر وموهبته. والشعر الذي يقع فيه الخلط أو تقديم المعنى على الإيحاء اللفظي كثير جدًا ولا تخلو حفلة منه. وفي حلقتنا اليوم نركز القول على مثال واحد من المكتوب في شعر الشقر الإيحائي الناقص ذي البدع المؤتلف. فمن أمثلة المكتوب ما نجده في كتاب علي السلوك آنف الذكر، حيث يقول الشاعر علي بن أحمد الغبيشي الزهراني المتوفى حوالي 1340هـ في بدعه:

 

نشبتْ وأعطيتك الرا وصرّافةْ

وقّفْ الميزانْ ونْحنْ على الذّمةْ

باللي يحفظْ لك مساعدْ وجمعاني

 

وفي الرّد يقول:

 

حي نمر نـحباتهْ تصلْ رافةْ

وإن عدا في العيسْ ما يعرفْ الذّمةْ

أي يثنيها ثنايا وجمعاني

 

يقول الشاعر أعيتني الحيلة، فأحلت الرأي إليك تتصرف كما تشاء، وتحكم بيننا بـما ترى. ونحن إذ نحمّلك هذه المسؤولية، نسألك بالله الذي يحفظ لك ولديك مساعد وجمعان- أن تعدل بيننا في الحكم. وفي الرّد يأتي الشاعر مُرحّبًا ومُشبهًا الضيف بالنمر الذي تصل قوة نحيبه (صوته) إلى جبل رافة الواقع حول وادي رنية. هذا النمر إذا هجم على العيس (الجمال) لا يمهلها ولا يهادنـها، بل يحطّم  الثنية منها (الفتية) والجامع (الكبيرة) على حدٍ سواء. فالشاعر قال ما يريد على خير ما يرام، حيث وظف ألفاظًا جميلة في القصيدة من مثل قوله "نشبت"، وقوله "وقف الميزان" و"نـحن في الذّمة"، وقوله "راشد وجمعاني"، لكن لك أن تتصوّر أن القصيدة جاءت على النحو التالي:

 

البدع:

حي نمر نحباته تصل رافة

وإن عدا في العيس ما يعرف الذّمة

أي يثنيها ثنايا وجمعاني

 

والرّد:

نشبت وأعطيتك الرا وصرّافة

وقّف الميزان وانْحن على الذّمة

باللي يحفظ لك مساعد وجمعاني

 

ألا يزيدها هذا الترتيب المغاير للسابق جمالاً إلى جمالها ويبنيها بطريقة هرمية متماسكة. إن عرض القصيدة بهذا الشكل يجعل الحضور أكثر تشوقًا إلى المعنى المراد بثّه بينهم من ذي قبل. إذ مبادرة السامع بالمعنى المقصود من أول القصيدة يقلل من أهمية الرّد الذي هو خاتمتها. والمرء مولع دائمًا بالخاتمة الجيدة، ذلك هو شأن الخطيب والقاص والشاعر أيضًا.  أوما ترى المتكلم في الشأن المهم يؤجل الأهم من حديثه فيختم به، رغبةً منه في ترك أثرًا لقوله في نفسية المستمع وذهنه. ولذلك يطمح الشاعر في أن تنتهي قصيدته بقوة في المعنى حتى ولو بدأت بضعف فيه. بناء على ما تقدم، أي الطرفين في قصيدة الشاعر يا ترى أولى بالتأخير من الآخر ؟، بل لو قصرنا النظر على البيت الأخير في كل من البدع والرّد فقط، ألا ترى معي أن اختتام القصيدة بقوله "باللي يحفظ لك مساعد وجمعاني" أفضل من اختتامها بقوله " أي يثنيها ثنايا وجمعاني".

 

وأغلب الظن أن الشاعر أورد قصيدته على الصيغة الأخيرة. أقول هذا لأن الشاعر يؤخر المهم في قصيدته والراوي يقدمه عند روايته لها. فالنّاس يخرجون من الحفلة مرددين قول الشاعر مخبرين به من لم يحضر. فإذا ما سوئلوا عن قوله أتوا بالطرف الذي يحمل المعنى من القصيدة، فيتبادر إلى ذهن السامع أنه البدع ومن هنا يقع اللبس، والله وأعلم. اعتقدت هذا لأمرين -الأول من داخل النص والثاني من خارجه. فأما الذي من داخله، فيتضح من طريقة بنائه، إذ البدع في الشعر الإيحائي ذي الرّد المؤتلف مُتكلف أكثر من الرّد. والتكلف واضح في قوله "نحباته تصل رافة"، وفي قوله "ما تعرف الذّمة"، وفي قوله "ثنايا وجمعاني". والتكلف المعني هنا لا ينبع من ذات اللفظة، فربما كانت سهلة يسيرة،  إنما يأتي من علاقتها بما حولها من كلمات. فالشاعر لم يأتي بـهذه الألفاظ إلا ليعطي المصلح (الحكم) حرية الرأي والتصرف في الحكم، وليقول له نحن في ذمتك فلا تجحف في الحكم، وليأتي بمساعد وجمعاني فيستثير بهما نخوة المصلح ويلفت بهما نظره إلى عظم القضية وأهميتها. زد على هذا أن القصيدة عادة ما تبتدئ بالترحيب، فكما يبادر الضيف بالترحاب في الكلام العادي كذلك في الشعر . والترحيب واضح هنا في قول الشاعر "حي نمر نحباته تصل رافة". 

 

أما الذي من خارج النص فهي أن الأسلوب الإيحائي في الشعر هو الطريقة المتّبعة لدى الشعراء مجايلي الغبيشي، وهم كثر.  يتضح ذلك من الأمثلة التي أوردها السلوك في كتابه عنهم. أما عن الغبيشي نفسه فلا يشعر القارئ لأشعاره الواردة في الكتاب أن لديه عجزًا في بناء القصيدة الموحية أو أنه غير قادر على تركيب الأبيات المعقدة فكيف يلتبس عليه الأمر في مثل هذه القصيدة القصيرة. أقول هذا لأن الأشعار الواردة عنه في الكتاب قليلة لا تنبئ القارئ عن مدى اتساق ظاهرة الإيحاء لدى الشاعر. وإلى لقاء آخر بإذن الله.  

 

د. ظافر بن علي القرني

 

 

عدد زوار الموقع

جميع الحقوق محفوظة 1426 هـ