الملل من
المألوف وطواعية اللغة
شعر العرضة
الجنوبية نموذجًا
لم تكن العبارة التي اختتمت بها الحلقة الماضية
في محلها، حيث قلت أن الأمثلة الواردة في كتاب الأستاذ السلوك عن الشاعر الغبيشي
ليست كافية، من حيث العدد، في الحكم على مدى اتساق ظاهرة الإيحاء لدى الشاعر. ذلك
لأنه غاب عن عيني مثال مهم منها يكفي عمّا سواه في التدليل على عدم دقة هذه
العبارة. يُظهر هذا المثال بجلاء أهمية مسألة الإيحاء عند الشاعر، ويشير إلى
إمكانية حدوث ما ذهبنا إليه من أن قصيدة "مساعد وجمعان" قد تكون عُكست
من قبل من رواها. فماذا يقول الشاعر في قصيدته:
يقول بادعًا:
سلام يا من عليه اتكيال
يا عرجلٌ حل في منع وادي
وأثني على لفة الحاضرِ
ويقول رادًا:
لو ترمي النمر بأربع كيال
ما حال عن كسر روس العوادي
ضري بكسّار الألحاءْ ضري
بدأ الشاعر بالسلام على من هم محل ثقته، واصفًا
إياهم بأنـهم عرجل حل في وادٍ منيع محصن، وثنّى بالسلام على جميع الحضور بعد ذلك.
ثمّ قال في رده، مشبهًا من يعني بالنمر الذي لا تثنيه أربع كيال من البارود عن
تكسير رؤوس العوادي، لأن تكسير الألحاء هو ديدنه، وفعله الذي ضري عليه. وكلمتا
عرجل وضري ليستا من العامية. لأنه يحلو لبعض من فيهم خير لأمتهم مقولة "تقول
العامة كذا" أو "ومما تقوله العامة"، أو "هذه عامية"،
بهدف التهوين من شأن المتحدث، وذلك عندما يفاجأ الواحد منهم بلفظ غريب عليه ، أو
عندما يسمعه من أمي وهو فصيح. ولا أشك في أن مما يؤخر الأمة حضاريًا أن تُصنف
لغتها بحسب أصناف أهلها. فهذه كلمة عامية لأن مصدرها العامة، وهذه كلمة فصيحة لأن
مصدرها الخاصة، مع أن العكس قد يكون هو الصحيح. ولو عدنا إلى لفظة عرجل الواردة في
القصيدة، لوجدنا صاحب اللسان يقول، فيما أورده عن مادتـها، هي الجماعة من النّاس،
وقيل جماعة الرجَّالة، وخرج القوم عراجلة أي مشاة، ولا يقال عرجلة حتى يكونوا
جماعة مشاة. وأورد قول الشاعر:
وعرجلةٍ شعث الرؤوس كأنهم بنو الجن لم تطبخ
بنار قدورها
وقول آخر:
راحوا
يماشون القلوص عشيّةً عراجلة ما بين حافٍ وناعلِ
قلت: ربما سقط حرف الواو من قبل كلمة راحوا في
البيت حيث تمتلئ موسيقاه بإضافته.
أما كلمة ضري فهي أكثر شيوعاً من سابقتها،
ويكفينا فيها قول الشاعر العربي:
وإنّا لنجفو
الضيف في غير عسرةٍ مخافة أن يضرى بنـا فيعـود
نعود بعد هذا الاستطراد المهم إلى المثال فنقول،
أن قساوة أو غلظة معاني هذه الشعر من قساوة البيئة التي قيل فيها، فصناعة البارود
قبل توحيد المملكة العربية السعودية كانت مزدهرة، وتأتي مقدمة أحيانًا على جلب
القوت إلى الأهل، لصد العدو المتأهب الذي إن لم يأت من خارج القبيلة فهو آتٍ من
داخلها، فالغزو هو مداد الحياة. والنهب والسلب والعدوان كادت أن تكون شيمًا يفتخر
بـها. فالحمد لله الذي قيض لهذه الأمة من لمّ شتاتها، وأنـهى فرقتها، وأعادها إلى
سبيل الهدى والرّشاد، فهي أمة خير وبركة.
أن هذه القصيدة تؤيد ما ذهبنا إليه من ابتداء
الشاعر بالترحاب أو السلام في كلامه، ومن حيث أن الشاعر يتكلف البدع، ليأتي الرّد
على سجيته سهلاً غير متكلف. فلو نظرنا إلي قوله "اتكيال" وقوله
"منع وادي" لعلمنا إنما تكلف ذلك ليقول في رده "أربع كيال" و
"العوادي". ولو لم يعمد إلى التكلف في بدعه لقال، مثلاً، "سلام يا
من عليه اتكال" وهو أفضل من قوله اِتكيال، وجاء بكلمة خير أو غيرها بدلاً
من منع في البيت الثاني. أما قوله "لفة الحاضر" (جميع الحضور) فلا تكلف
فيه لا من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى، بل هو لفظ سهل يسير، استطاع الشاعر من
خلاله أن يشقر الرّد بطريقة مميزة، كما جاء في قوله "الألحاء ضري".
فالإجهاد في التكلف جاء في الرّد ، بالنسبة لهذا البيت، وليس في البدع على عكس ما
نلحظه في شعر الشقر المفضل من قبل الشعراء ذوي الصنعة. على أن عبارة تكسير الألحاء
بـهذه الطريقة لا تسمع لها ذكرًا في شعر المتأخرين لاستتباب الأمن، ورسوخ السلام،
كما ذُكر من قبل، فالحمد لله على فضله.
د. ظافر بن
علي القرني