الملل من المألوف وطواعية اللغة

 

الملل من المألوف وطواعية اللغة

شعر العرضة الجنوبية نموذجًا (15)

 

بعد الفراغ من تلمس أمثلة من المكتوب على شعر الشقر الإيحائي ذي البدع المؤتلف، نأتي إلى المسموع منه، فنرى ما يمكن أن يقال فيه. ولا ضير في أن نكرر الإشارة إلى أن الأفضل درجة في شعر الإيحاء المؤتلف هو ذي الرّد منه، لا ذي البدع، لكن الخلط يقع من الشعراء جراء أسباب ذكرت فيما سبق منها التعجل في المحاورة، أو قلة الدربة، أو الزهد في التكلف، أو عدم الاكتراث بالمتعارف عليه منه. والأغلب أن الشاعر يقع في الخلط قسرًا لا اختيارًا. والأمثلة كثيرة جدًا، وقد لا تخلو محاورة منها، لكن قبل أن نأتي على ما يتيسر منها، أشير إلى حالة من حالات كيفية خروج الشاعر عن منهج الإيحاء خاصة من تعوزه الدربة والخبرة في الشعر. فقد يبدأ الشاعر قصيدته بقوله:

 

خاسرٍ من يطوّلْ كلمةْ الشامتينْ

الذي ما شرى فيما شرى بنْ وهيلْ

شف كفوف الرّدى يردى بـها من يمنها

كل ما رام حاليها شربْ مرّها

 

فالخلل وقع في البدع بمجرد إيراد قافية "هيل" في البيت الثاني من القصيدة. والحاصل في الغالب، أن الشاعر هنا يبني بدعه وهو يفكر في الرّد مدفوعًا بتلمس الإيحاء، فيتبادر إلى ذهنه تين الشام شقرًا لكلمة الشامتين، فيتبع التين بالهيل حيث هما من المؤتلف في اللفظ من جهة المادة. ولعدم تمكنه من الصنعة، يوظف اللفظة بمجرد ورودها في ذهنه، فتقع في البدع بدلاً من أن يبقيها في ذهنه إلى الرّد. وهذا هو الخلط. ثمّ تجد الشاعر يتكلف الرّد لأنه استهلك القافية التي كان من الأولى إبقاؤها إلى حينها. فيأتي الرّد منه، أو من غيره، على سبيل المثال، كما يلي:

 

لو يقلْ المطرْ ما صدّر الشامْ تين

لا ولا من كثيب إلا تزحزح وهيل

والبلاد الوفيرة شامها من يمنها

مرّها كل ما شان الزمن مرّها

 

فالشاعر اضطر إلى إيراد تزحزح الكثيب وتبعثر رماله كما يرى في البيت الثاني ملفقًا كلمة "هيل" (بكسر الهاء) حتى تقابل هيل (بفتحها) في البدع. ولو افترضنا أن الشاعر تنبّه لمسألة الإيحاء، وجاء بالقصيدة على الكيفية المطلوبة منه، لجاءت كما يلي، مثلاً:

 

خاسرٍ من يطوّل كلمة الشامتين

لم يرَ  كمْ جبلْ قبلهْ تزحزحْ وهِيل

شف كفوف الرّدى يردى بـها من يمنها

كل ما رام حاليها شرب مرّها

 

وفي الرّد، يقول:

 

لو يقلْ المطرْ ما صدّرْ الشام تين

لا ولا ورّدوا تجارها بنْ وهيلْ

والبلاد الوفيرة شامها من يمنها

مرّها كلما شان الزمن مرّها

 

وهنا تبرز لنا ظاهرة التكلف الإيحائي المفهوم في البدع، كما يظهر لنا الائتلاف بين لفظتي تين وهيل في الرّد. ولو لم نلتفت إلى التركيب اللفظي في القصيدة، لما قادنا المعنى إلى هذه النمط المعماري الفريد فيها، إذ المعنى مستقيم في كلتا الحالتين،أو يمكن جعله مستقيمًا، فللنّاس فيما يعشقون مذاهب. ولنا حول إشكالية اللفظ والمعنى من هذا المنظور وقفة في المستقبل القريب إن شاء الله.

 

د. ظافر بن علي القرني

 

 

 

عدد زوار الموقع

جميع الحقوق محفوظة 1426 هـ