الملل من المألوف وطواعية اللغة

الملل من المألوف وطواعية اللغة

شعر العرضة الجنوبية نموذجًا (16)

 

أشرت في نهاية الحلقة الماضية إلى نقطتين مهمتين هما: إشكالية اللفظ والمعنى من منظور الشعر، وأثر نفسية المتلقي وسعة ثقافته في المعنى المسموع. ولو دخلنا في نقاش هاتين النقطتين الآن، لما خرجنا منه قبل أن نخرج القارئ من سياق هذه السلسة التي أحرص على بقائه متتبعًا لها، عالمًا بـمنهجها. لذا نؤجلهما قليلاً إلى أن نأتي إلى أثر شعر الشقر الإيحائي في الشعر والشاعر واللغة والجمهور، وننظر في مثال من الأمثلة المسموعة في الشعر التي يحصل فيها الخلط بين قوافي البدع والرّد بطريقة ما، هنالك ما هو أفضل منها. قال شاعر عرضة مشهور في قصيدة لا أذكر أولها جيدًا:

..

يوم كان أكثر العربان في الضلع لاجي

وش مع صاحبي في العلم وش غايته

 

فيرد عليه الشاعر محمد بن ظافر الشمراني بقوله:

 

وأنت بالله يا دكتور فض العلاجِ

حتى تدري عن البلجيك وشغايته

 

ومعاني مفردات البدع والرّد واضحة، فالعربان يقصد بهم الناس، والضلع هو الجبل، و وش غايته أي ما مقصده. والدكتور في الرّد يعني به الطبيب المعالج، والبلجيك نوع من البندق المشهور المفضل لدى كثير من النّاس، وشغاية البلجيك صوته المخيف. وإذا ما نظرت في البدع والرّد وجدتـهما يحملان معنى معين ولهما هدف مقصود. فالمعنى محفوظ في بين الشاعرين. لكن ماذا لو قال  الشاعر الأول:

 

يوم كان أكثر العربان في الضلع لاجي

ليتك تدري عن البلجيك وشغايته

 

وقال بن ظافر، في الرّد، مثلاً:

 

وأنت بالله يادكتور فض العلاجِ

حتى تدري عن المرضان وش غايته.

 

أو (حتى تعرف سقام الحال وش غايته) أو ما شابه ذلك من قول. أليس ذلك أسلم من جهة لغوية؟ بلى، وإليك البيان من وجهين:

 

الأول: أن اللجوء إلي الجبل هو حالة من حالات الحرب التي يناسبها صوت البلجيك من جهة المعنى، ويأتلف معها من جهة اللفظ إذا ما أخذ الحرب مدى لمدار الألفاظ الممكن وقوعها فيه. 

 

ثانيًا: أن فض العلاج قد يكشف سر المرض، أو أن كشف الطبيب على المريض حري بمعرفة غاية المرض. وهذا الوجه مثل سابقه معنى ولفظًا، إذا ما تُوسع في قاعدة المشترك اللفظي بين الألفاظ. وقاعدة المشترك اللفظي هنا هي المرض كما هي الحرب في الوجه الأول.

 

ولو رفضنا الاشتراك اللفظي لبعد منـزع الألفاظ من بعضها كما هو ملاحظ، فلا غبار على الاشتراك المعنوي (أو الائتلاف في المعنى) بأي حال من الأحوال.

 

شجعنى على قول هذا، التلفيق الظاهر في ردّ الشاعر الشمراني وهو من هو في شعر الشقر- فكأنه بإيراده لفظة البلجيك في رده يلمح إلى الخلل اللفظي الواقع في قصيدة البدع لدى صاحبه. فالشاعر لا يود أن يجمع "فض العلاج" إلى "صوت البلجيك"، إنما أضطره إلى ذلك إيراد صاحبه كلمة اللجوء ثم إفساده لفظة "شغايته"  المناسبة للجوء، بقوله وش غايته بدلاً منها.  لكن المقام ليس مجالاً للتصحيح العلني، إنما هو مجال للرّد على الشاعر المقابل بأسرع وقت ممكن، بما يلائم من لفظ ومعنى. ولولا أن عداوة الشعراء بئس المقتنى، لاسترسلت في الأمثلة فهي كثيرة كما قلنا من قبل. وللحديث صلة.

 

د. ظافر بن علي القرني

 

 

 

عدد زوار الموقع

جميع الحقوق محفوظة 1426 هـ