الملل من المألوف وطواعية اللغة

الملل من المألوف وطواعية اللغة

شعر العرضة الجنوبية نموذجًا (17)

 

أراني مضطرًا للمزيد من أمثلة الشعر المسموع الدالة على ما يقع من تجاوز في شعر الشقر الإيحائي ذي الرّد المؤتلف من جهة اللفظ.  ولو قلنا من جهة المعنى لما اتفقنا على شيء،  لأن القصيدة تتسع من جهة المعنى لما لا تتسع له من جهة اللفظ لكونه ظاهرًا فيها والمعنى غائرًا مستترًا. ومثالنا اليوم من جهة بيشـة. وبيشـة مدينة محببة إلى نفسي لأسباب كثيرة ليس هذا مجالها. عرفتها أول ما عرفتها صغيرًا في أواخر الثمانينيات الهجرية، فبهرت بنشاطها التجاري الدؤوب، ولفتت نظري طريقة إضاءة شوارعها في الليل، بطريقة بدائية جدًا من منظور اليوم، لكنها في وقتها تعتبر نادرة تغبطها عليها كثير من القرى المجاورة لها والبعيدة عنها في تلك المنطقة. حيث كانت تعلق المصابيح اليدوية المغذاة "بالقاز" على جانبي الطريق فتراها من بعيد سلسلة من نقاط الضوء الساطعة في ظلام ما حولها، وتقترب منها فتعلم مقدار الجهد اللازم للمحافظة عليها مضاءة، وصيانة ما عصفت الرياح به منها طوال الليل. فبيشة آنذاك مدينة مضاءة في وقت يعم الظلام الدامس ما يليها من قرى كثيرة في الجنوب الغربي من المملكة. وكل ما عدت إلى هذه المدينة استحضرت صورتـها السابقة، ونـهضتها الماثلة أمامي، فحمدت الله على ما ننعم به من خير عميم، وعلمت أنني أكثر حظًا ممن لا يعرف إلا المرحلة التي هو فيها، وتغيب عنه المرحلة السابقة لها، فلا يتصور تمام التصور مرحلة البناء والتشييد التي بذلت فيها هذه الدولة الفتية كل الجهود في سبيل سعادة المواطن وأمنه واستقراره.

 

أعود إلى الشعر، فاستشهد بمثال من شعر شعرائها وإن لم أتمكن من معرفة أحد الشاعرين المتحاورين، فقد لا يكون من بيشة تحديدًا، لكن يبقى اللحن بيشيًا، ذا سمة لا تجدها إلا في عرضتها. والشاعر الآخر صاحب الرّد هنا- هو مسفر بن مريط إذا لم يخني السمع. ومسفر شاعر مشهور معروف يجيد فن الشقر الإيحائي ويبدع فيه، ويعشقه. فماذا يقول شاعر البدع في قصيدته:

 

يقول:

 

لا مرّ حينٍ بروحي واتّلا حين

الحفل دايش بغيري وأدَيش بي

والطيب أقدره فايت ومعنا

ولا أبغي أحط نجّاحٍ مَعَ نيء

 

الرّد:

 

يا زِين بدع القصائدْ والتلاحين

وإذا شبا الضلعْ غيري ودي أشبي

وأحط للهيضْ منهاجٍ ومعنى

ولا يجوز القصيد بلا معاني

 

يذكر الشاعر الأول في هذه القصيدة تعاقب الزمن عليه، ولو قال "لا مرّ حين علينا واتلا حين لكان أفضل". ويقول أن الحفل عامر به وبغيره من النّاس. وهو على ذلك لا يحتقر أحدًا، فالطيب من الناس يحترمه سواء بَعُد أو قرب. كما أنه لا يخلط في فكره وتقديره بين ما هو ناجح (نضيج) ونيء (غير نضيج). ويقول صاحب الرّد، ما أجمل بدع الشعر وألحانه، وإذا ما رغب أحد في تسلق الجبل (شبا الضلع)، رغبت في ذلك. وهذا كناية منه عن الترقي في الشعر كيفًا وكمًا. و يقول أن لديه منهاجًا ومعنى في الشعر لا يحيد عنهما أبدًا، فالا يصح الشعر ولا يحلو له بدون معنى. والقصيدة بـهذه الصيغة جميلة، فيها بناء عجيب، وألفاظ أعجب يراها من يستطيع قرأتـها. لكن ماذا لو جاءت على الوجه التالي:

 

لا مرّ حين بروحي واتّلا حين

وإذا شبا الضلع غيري ودي أشبي

والطيب أقدره فايت ومعنا

ولا أبغي أحط نجّاحٍ مَعَ نيء

 

الرّد:

 

يا زِين بدع القصائد والتلاحين

الحفل دايش بغيري وأدَيش بي

وأحط للهيض منهاجٍ ومعنى

ولا يجوز القصيد بلا معاني

 

وذلك بتبديل موقعي البيت الثاني في طرفي القصيدة، أي بنقله من البدع إلى الرّد، وبنقل بيت الرّد إلى البدع. ألا يكون ذلك أفضل. أقول هذا لأن شاعر البدع يريد من صاحبه أن يتكلم، في رّده، عن حب ألحان الشعر، ومدى ولعه بالحفل وحضوره، واهتمامه بمعاني الشعر، والحرص عليها، غير أنه غفل فأشار إلى ولعه هو بالحفل في البيت الثاني من بدعه، والأولى أن يترك ذاك لصاحبه كما هو مفهوم من سياق القوافي. من أجل ذلك حصل التلفيق من قبل شاعر الرّد حيث أدخل في رده صعود الجبل قسرًا ضمن ألفاظ تعني بالحفل ومعانيه وحركته. وهذا هو المقصود بالخلط الحاصل في الشقر الإيحائي من جهة اللفظ، على الأقل، إذ المعنى ممكن التحوير. وللحديث صلة.

 

د. ظافر بن علي القرني

 

 

 

عدد زوار الموقع

جميع الحقوق محفوظة 1426 هـ