الملل من المألوف وطواعية اللغة
شعر العرضة
الجنوبية نموذجًا (18)
ما زلنا نورد الأمثلة على ما يقع من تجاوز في
شعر العرّضة من جهة اللفظ جراء التزام الشعراء فيه بشرطي الشقر والإيحاء. وتنويع
الأمثلة أمر مهم حتى لا يظن القارئ، إننا نقول ما لا يسنده الواقع، غير أن الإكثار
منها ليس هذا مجاله. وهذه الأمثلة ليست لشعراء مغمورين ولا لشعراء لا يعرفون منهج
الشقر وقيوده، إنما هي لشعراء مشهورين يحتلون مع غيرهم الصفوف الأول في شعر
المحاورة اليوم، ولا يكاد يخلو منهم محفل. ولا أرى مبررًا للخلط في الشقر من قبلهم
إلا التسرع في بناء القصيدة رغبةً في تحدي الشاعر المقابل. والوقت من أظهر وسائل
التحدي، حيث تأتي القصائد سريعة متتالية تضطر الشاعر الآخر إلى التعجل الذي قد
يؤول به إلى الارتباك والهزيمة، كما يود له صاحبه. وهنا، بطبيعة الحال، يختل بناء
القصيدة الشكلي، وينعدم عنصر الإيحاء اللفظي فيها، ويبقى عنصر الشقر العشوائي
الأقل درجة في التعقيد، والتكلف. يوضح ذلك مثالنا هذا الذي يقول شاعرنا في بدعه:
اهبطوا سوق بيشة يا طوابيرها
وأدري إن كل وادٍ له عقوم وسدود
وإن سألت السؤال ابشر بصح الجواب
لا دقل سيل ترج وسيل وادي تبالة
ما انقلب حيدها حتى مشى طينها
الرّد:
مال راعي الزراعة ما طوى بيرها
العرب يا زميلي يبحثون السدود
أتعبتونا في الدنيا بسين وجواب
وإن تبالهت عن درب الحكم ما اتباله
ما أخبر النّاس تلهيها مشاطينها
والقصيدة سهلة التراكيب والألفاظ، في مجملها.
فـ"عقوم" في البدع تعني حواجز ترابية، و"دقل" يعني أقبل،
و"الحيّد" يعني الحجر، و"السدود" في الرّد يعني بـها الخفايا
أو الأسرار، و"تباله" أي تغابى أو زَلِه، ومشاطينها أي أشغالها. وهذه
ألفاظ لا غبار عليها من جهة الفصاحة لكنها تنطق دونما إعراب. والشعراء المتحاورون
أربعة، اثنان بدعا وهذان ردّا عليهما. وكلهم ممن لا يفوته المعنى يقينًا أو توهما،
أي أنه لو فاتـهم يقينًا لما عدموه توهمًا. ولا جدال فيما يرميان إليه في هذه
القصيدة ردًا على صاحبيهما. لكني أود أن أعيد صياغتها متخذًا من تآلف الألفاظ في
قوافيها وسيلةً إلى ذلك. فماذا لو قال صاحب البدع ما يلي:
مال راعي الزراعة ما طوى بيرها
أدري إن كل وادٍ له عقوم وسدود
والسيول الغزيرة تحتويها الجواب
لا دقل سيل ترج وسيل وادي تبالة
ما انقلب حيدها حتى مشى طينها
وقال صاحبه مكملاً له:
اهبطوا سوق بيشة يا طوابيرها
العرب يا زميلي يبحثون السدود
أتعبتونا في الدنيا بسين وجواب
وإن تبالهت عن درب الحكم ما اتباله
ما أخبر النّاس تلهيها مشاطينها
بـهذا نكون هذبّنا القصيدة لفظيًا، مع عدم
الإخلال بالمعنى المُراد. لكنها، مع ذلك، بقيت من ذي البدع المؤتلف. ولو عُكست
لأصبحت من ذي الرّد المؤتلف الذي هو غاية ما يطمع إليه شعراء الشقر المتمرسين فيه.
ولو نظرت الآن إلى الألفاظ "بير (بئر)، وسدود، وجواب (جوابي الماء)، وتبالة،
وطينها" لوجدتـها أكثر تآلفًا من طوابير (صفوف من الناس)، وسدود، والجواب
(الإجابة)، وتبالة، وطينها. فصفوف النّاس، وسدود الماء، وصحيح الإجابة لا تأتلف
في شيء من جهة اللفظ. بينما البئر، والسدود، والجوابي، والوادي،والطين يجمعها
مشترك واحد هو الماء. والألفاظ هذه لم نأت بـها من عندنا إنما هي في القصيدة وفي
مخيلة الشاعر لكن التعجل في الرّد، والالتفات إلى المعنى فقط يخل بالبناء اللفظي
المتعارف عليه لدى الشعراء.
بـهذا نكون قد فرغنا من الأمثلة المهمة للإيضاح،
ونعود إلى مسارنا المألوف، فنناقش في الحلقة القادمة أثر شعر الإيحاء بنوعيه على
الشعر والشاعر واللغة والجمهور كما فعلنا من قبل مع الأصناف السابقة له. بارك الله
لنا ولكم في رمضان وأعاننا وإياكم على صيامه وقيامه إنه سميع مجيب الدعاء.
د. ظافر بن
علي القرني