الملل من المألوف وطواعية اللغة
شعر العرضة
الجنوبية نموذجًا (19)
سنتطرق فيما يلي إلى أثر شعر الشقر الإيحائي على الشعر والشاعر
واللغة والمستمع أو الجمهور. وهذه العناصر الأربعة مترابطة متماسكة وما يؤثر في
واحد منها يؤثر في بقيتها بشكل أو بآخر. فمحاولة النظر إلى أثره على كل عنصر منها
على حدة فيها شيء من التعسف لكنها تيسّر المهمة على القارئ، أما على الكاتب،
فمناقشتها بصفة عامة في نظرة واحدة أسهل في التناول وأقرب للإجادة. ومن أجل القارئ
نبقى على ما ألفنا عليه من طرحها متفرقة.
فنقول فيما يتعلق بتأثير شعر الشقر الإيحائي على الشعر أنه ضيّق
سعته، وسدّ شعبه ومنافذه، ولم يبق إلا طريقًا شاقًا لا يحلو لكل شاعر سيره. وإن
رآه كثير من النّاس إبداعًا عجيبًا غريبًا لا يجيده إلا ذو قدرة ذهنية ولغوية
فائقة –وهو صحيح،
فهو تضييق على الشعر، وحجر للغة، ومدعاة إلى التوسع فيما لا يحبذ فيه التوسع من
التكلف والتصنع. هذا،باختصار شديد، عن أثره السلبي على الشعر، إما عن أثره
الإيجابي، فلقد جعل للشعر بـهرجًا يخلب الألباب، وألبسه ثوبًا جديدًا لم يألفه من
قبل فأزدان في عيون كثيرٍ من النّاس ورغبوا عمّا سواه.
أما عن تأثيره على الشاعر، فكلما زاد الترقي في مستويات الشعر زاد
العنت على الشاعر يتضح ذلك أكثر ما يتضح من خلال هذا النوع من الشعر. فإلزام
الشاعر بإيحاء المعنى إلى صاحبه من خلال القوافي، وإلزام صاحبه بتحقيق ذلك المعنى
في رده وعدم الحيد عنه هو عبء كبير قلّ من الشعراء من يستطيع حمله أو الآتيان به
على الوجه المطلوب. فكأني بمبدع أسلوب الإيحاء في الشعر يريد به طرد أكبر عدد ممكن
من الشعراء من ساحة المنافسة وحصرها فيمن يفهم سر هذه الصنعة المبهرة خصوصًا لمن
لا يعرف كنهها. حيث أنه متى ما عرف كنه الشيء قلّت جاذبيته، وخبا بريقه، وتاق الإنسان
إلى غيره. إذن هذا النوع من الشعر زاد العنت على الشعراء بعامة وحصر التمتع به في
عدد قليلٍ منهم لا يمثل واقع شعراء المنطقة من حيث العدد والقدرة في الشعر لا في
ماضيها ولا في حاضرها. فالذين يتصدرون الساحة اليوم هم شعراء الشقر الإيحائي
والشقر العشوائي أما شعراء الشعر المألوف فلا مكان لهم، ولا حول لهم ولا طول مع
ضجيج هؤلاء وغلبتهم. ومما أراه أن شعر الشقر الإيحائي أحرم كثيرًا من الشعراء
المبدعين في غيره من صنوف التشبيه والوصف والحكمة، وقضى على السجية لديهم بجذب
الشاعر بقوة اللفظ وحسنه إليه وبإقصائه عن المعنى وهو الأساس. ومن أثر شعر
الإيحاء على الشاعر أنه جعل الذين يفضلونه وهم لا يتقنونه يخلطون فيه كما رأينا من
الأمثلة التي طرحنها في ثلاث حلقات فيما مضى من هذه السلسة.
ومن أثره الإيجابي على الشاعر أنه قاده إلى إضافة بعد آخر إلى بعد
الشقر في القافية وهو الإيحاء بالمعنى من خلالها. فالشاعر الأول يرمي من خلال
قوافي قصيدته إلى "قصةٍ" لم يبح بـها، وعلى الشاعر الثاني البوح بـها
كاملةً، كما شاء صاحبه الأول، وإلا لا مجال للمحاورة بينهما. هذا البعد، رغم
الإبداع فيه، زاد من أعباء الشاعر وأعباء اللغة. فالشاعر بدلاً من أن يوزّع ثقل
المعنى على البيت الشعري كله نقل الثقل إلى القافية وخفف منه على حشو البيت. وأصبح
نجاح البيت الشعري مرهونًا بنجاح قافيته. فجاز لنا أن نسمي هذا الشعر شعر القافية.
وكان لدي في هذا كلام كثير أحسب أنني سآتي فيه بجديد إلى أن قرأت قولاً للشاعر
العراقي محمد مهدي الجواهري يقول فيه أو فيما معناه: أن "الفرق بين الشاعر
والنظّام، أن الشاعر يركب البيت برمته على القافية فتأتي كما لو أنـها هكذا خلقت
مستريحة، على حين أن النّظام يركب القافية على البيت فتبدو قلقة ناشزة، لأنه يكتب
البيت وحين يصل إلى القافية فيه يفكّر أن ماذا يمكن أن تكون". والجواهري ممن
عاش في هذا القرن، فما بالك بما قاله المتقدمون من أصحاب القرون الأولى. فلا نزيد
على هذا. ومن أفضل من شعراء المحاورة في تركيب البيت على القافية !.
أما عن تأثيره على اللغة فشبيه بأثره على الشعر
والشاعر، حيث يضطر الشاعر إلى الخروج عن المألوف من تراكيبها ليوفّي بالقافية
والمعنى المفروض عليه سلفًا. ويمكن القول أنه كلما زاد التصنّع في الشعر، قلّت
أهمية اللغة في عين الشاعر. مع كل هذا، فإن شعر الشعر الإيحائي بيّن من قدرات
اللغة مالا يدركه المتعلمون منها دع عنك غيرهم. فأنت تعجب عندما تستمع إلى شعراء
الشقر الإيحائي المتمكنين منه كيف يواصلون العطاء فيه إلى ثلاث أو أربع أو خمس
ساعات بمعدل قصيدة كل خمس دقائق أو أقل، وبما لا يقل عن أربعة أبيات في البدع
ومثلها في الرّد، وبلزوم القافية الواحدة ما لم يتضجر المستمع منها. إنهم يقولون في
لقاء واحد من القصائد ما لا يخرج به شاعر في غير هذا اللون في عمره كله. ولاختلال
اللغة في بعض ما يقولونه عذر مفهوم مقبول، إذ العبرة بسمو الهدف، وحسن اللفظ،
وجمال المعنى، وقبول ما يقال. وللحديث صلة.
آخر محراف:
يقول بن ظافر الشمراني:
مكثور خير أهل الكرم
والضيافةْ
تجملوا في
قدر ضيفٍ وعاني
وهبوا من
الجودة سمينٍ وسمنا
واللي يجي
مالفوت يلحق نصيبه
د. ظافر بن علي
القرنـي