الشقر الإيحائي ذي البدع المرتب:

الملل من المألوف وطواعية اللغة

شعر العرّضة الجنوبية أنموذجًا (2)

 

المقدمة:

لا أستطيع هنا تحديد البداية الزمنية ولا المكانية للعرضة الجنوبية المعروفة في هيئتها  اليوم،  إذ ليس من السهل تحديد ذلك، بل أن موضوعًا كهذا لا بد وأن تتنازعه الأهواء متى ما طرح إذ لا أعلم مكتوبًا يشير إلى مثل هذا الأمر وإن كنت قرأت في بعض المحاولات، وعلمت عن وجود مخطوطة شبه قديمة قد تفيد في هذا الشأن (انظر الأغاني الشعبية لهند باغفار وأحكام العرضة لعمر بن غرامة العمروي). والجهل بهذا الأمر لا ينفي قدمها إذ هي فن متوارث تجيده قبائل عدة تنحصر بين مشارف الطائف وعسير. فسعت انتشارها بين هذه القبائل -رغم العزلة التي تكتنف الزمن الماضي إلى عهد قريب- دليل قدمها وعراقتها. أريد أن أقول أن التواصل بين القرى المتجاورة لم يكن إلى عهد قريب بالأمر السهل. وقد تحدث حوادث وتجري أمور في قبيلة أو قرية ما ولا تعرف عنها قبيلة أو قرية مجاورة لها إلاَّ بعد فترة طويلة من الزمن، إذ وسائل الاتصال نادرة وبطيئة. إذا سلمنا بهذا، ثم نظرنا في سعة انتشار العرضة بين هذه القبائل الكثيرة علمنا أنها أخذت وقتًا طويلاً لتنتشر بينهم  أيًا كانت الوسيلة المستخدمة. إذن العرضة في شكلها الحالي ليست حديثة النشأة  بأي حال من الأحوال. ومن يتحدث عنها بهدف معرفة نشأتها دون معلومات مدونة كمن يتحدث في النسب بما له من اشكالات. ويمكن القول أن العرضة رقصة جماهيرية متعارف عليها يعبر بها عن الفرح وتتفادى بها بعض أثار الحزن بل ويلم بها الشمل خصوصًا في الماضي- كلما نابه نائبة.  فهي ليست رقصة فنية بمعنى الفن اليوم الذي يحاول أصحابه حصره في الفرح والتسلية وما في معنيهما،  بل هي أسلوب من أساليب التعبير عن الذات -ذات القبيلة في كل أحوالها. ثمّ هي تجنح إلى الجدية في الأداء، ويعتبر الفشل في أدائها بوادر فشل في الأداء الحربي إذ هي تسبقه وتخلفه إلاَّ فيما ندر.

 

ومن مقومات العرضة ما هو ضروري ومنها ما هو غير ذلك. فمن المقومات الضرورية: العرّاضة، والشاعر، والزير. ومن المقومات الثانوية، مثلاً، مكبر الصوت، المزيّف والجماهير. ولكل دوره الذي يؤديه. فالعرّاضة هم الأفراد الذين يؤدون العرضة. وليس لهم عدد ثابت إلاَّ أنه يستحسن أن يكون عددهم كافيًا لتكوين دائرة فسيحة غير مغلقة تمامًا،  يصطف عليها المؤدون فرادى جنبًا إلى جنب متجهين بأنظارهم ناحية مركز الدائرة حيث يكون الزير وضاربه. يقف الشاعر في مقدمة الصف ويقول الجزء الأول من القصيدة (وهو ما يسمى بالبدع)، فينقسم محيط الدائرة تلقائيًا إلى نصفين يتجاوب أوله مع  أخر بيت من بدع الشاعر. ثمّ يتحرك الشاعر إلى النصف الأخر من الدائرة فيقول الرّد،  فيكرر المعنيون البيت الأخير منه.  وبعد أن تتلاحن الأصوات بين الفريقين وتتناسق  يبدأ عازف الزير بما يتلاءم مع الصوت فتتحرك الدائرة  مثنى مثنى وليس فرادى كما كان الحال عند الاستماع إلى الشاعر.  وتبدأ العرضة في حركة رياضية بديعة متسقة حيث ترفع الرجل اليمنى من الجميع أولاً ، فتعقبها اليسرى للجميع في حركة متوالية تختلف سرعتها من قبيلة لأخرى ولو بشكل يسير وتكون البنادق أو السيوف أو الخناجر مرفوعة إلى الأعلى. وتستمر هذه الرقصة إلى أن يقرر الشاعر قول قصيدة أخرى وهكذا. على أنه مع تقارب المجتمعات وتوفر التقنية الحديثة أصبح عدد الشعراء لا يقتصر على واحد أو اثنين بل يزيد إلى أربعة وستة في بعض الأحيان ويكون موقعهم حول عازف الزير حيث استخدام مكبر الصوت يغني عن حركة الشاعر سابقة الذكر. أما المزيف فهو بمثابة منسق العرضة يخرج من الصف إلى ساحة الدائرة، كلما شعر أن العرضة بحاجة إلى إعادة ترتيب أو كلما رأى تغيير الرتابة في الأداء، فيعمل حركات رياضية تتسق مع حركة العرضة ذاتها لكن بنمط أكثر حماسًا فيعود من خالف الحركة إلى أدائها بشكل صحيح،  وتعود العرضة متسقة من جديد. ولا شك أن بعض المسميات في العرضة تختلف من قبيلة لأخرى فقد يسمى المزيف مثلاً محملاً أو زواعًا أو غيرهما. كما تختلف أدوات الإيقاع في بعض الأماكن عن بعضها الأخر، فقد تستخدم الدفوف مع الزير أو بدونه. وقد يوظف بعض أنواع السلاح القديم الذي يعتمد على البارود ذخيرة له في ساحة العرضة من نفرٍ من العرّاضة. وهذه لعبة خطرة لا يجيدها كثيرًا المتأخرون . وقد فقدت، إلاَّ فيما ندر، جلّ مقوماتها  بما في ذلك الحصافة والمهارة في حمل السلاح والقدرة على تأدية الحركات الحربية أو الرياضية المطلوبة. والحوادث القاتلة جراء هذه اللعبة مشهودة من حين لآخر، وفي تصاعدٍ مستمر.

 

والوضع الراهن أختلف بطبيعة الحال عن ذي قبل من نواحٍ أخرى كثيرة. فما عاد العراضة يلتزمون بزي موحد من اللبس كالمحازم والخناجر مثلاً، بل تجد الزي مختلطًا ومشكلاً. كما أن الجدية قلت لدى الشباب في أداء العرضة فيكون العبث واضحًا من بعضهم. وطفحت على السطح بوادر التعصب لشاعر ضد أخر وكثر الصراخ والصفير واللغط بين الجماهير فقلما تجد حفلة تنتهي بسلام كما بدأت.  لا أبالغ إذا قلت أن العرضة أصبحت في كثير من الأحيان تعكس جانبًا غير حضاري للمشاهد المتذوق الذي يعرف فنها؛ وما ذلك إلاَّ لفقد الهدف الذي من أجله تقام العرضة. فما عادت تقام لإظهار الوحدة في الصف ولا لابتهاج بنصر أو درء لهزيمة ولا لمشاركة في فرح، إنما تقام للتسلية والفرجة. وفرق بين أن تكون العرضة وسيلة لغاية جميلة مع ما يصحب ذلك من متعة وبين أن تكون غايتها المتعة الوقتية الزائلة فقط. كما أن للتقارب بين أبناء القبائل أثره على نمط أداء العرضة من حيث الحركة والإيقاع بشكل عام؛ إذ حصل بعض التحوير في الحركة وشابتها السرعة في الإيقاع  لأسباب ذكرت بعضها في موضع أخر (جريدة المدينة، صفحة تضاريس شعبية 21/3/1418هـ، عدد 12521 وما بعده).

 

والعرضة، بصفة عامة، فن يتوقف نجاحه على توفر مقومات عدة لا يغني أحدها عن الآخر مطلقًا. ولكل من هذه المقومات مقوماته الخاصة. فالشاعر مثلاً إذ اجتمع له حسن الصوت والتمكن في الشعر والغزارة فيه سهلت مهمته وكان نجاحه. على أن التفوق في جانب من هذه الجوانب قد يغطي على العجز في غيره. مثال ذلك لو أن الشاعر لا يشق له غبار في الشعر، لكن صوته خشن جاف، لأمكن التأقلم معه من قبل المستمعين لما لمعناه في الشعر من أثر في نفوسهم. وبالمثل لو أن صوت الشاعر جميل، وشعره فيه الضعف لوجد من يهيم به ويفضله على غيره، ولله في خلقه شؤون. وما ذاك إلا لأن تقويم الأصوات أمر نسبي فما يعد سيئًا عند قوم قد يعد عند غيرهم حسنًا.  وعلى مثل هذا فمقومات العرضة قد يحمل بعضها بعضًا وتخرج ناجحة بدرجة ما. هذا فيما يخصها فماذا عن الشعر فيها. ماذا يمكن للناظر فيه أن يقول عنه من حيث تغيره مع مرور الزمن، لغته، مستواه، أثره على الشاعر والجمهور وغير ذلك مما يظهر لنا.  هذا ما سنأتي عليه في الحلقات القادمة، بإذن الله.

 

د. ظافر بن علي القرني

كلية الهندسة

جامعة الملك سعود

 

 

 

 

عدد زوار الموقع

جميع الحقوق محفوظة 1426 هـ