شعر الشقر الإيحائي مؤتلف البدع والرّد:

الملل من المألوف وطواعية اللغة

شعر العرضة الجنوبية نموذجًا (20)

 

ومن آثار شعر الشقر الإيحائي أنه أزال اللّبس الذي قد يقع فيما دونه من شعر الشقر الذي تنعدم فيه العلاقة أو الرابطة الرأسية بين قوافي القصيدة بحكم عدم توفر شرط الإيحاء فيها. على هذا قد يفهم البيت الواحد في القصيدة بعدة أوجه ومن ثمّ تشقر قافيته بأكثر من وجه أيضًا. ومن الأمثلة على ذلك أن يقول شاعر البدع:

 

أنت يا الإنسان  لو خفت من ربك

كان تأتي بالمسائل على نية  (أو علانية)

ما تداري خوف تالي عواقبها

الخ

 

وحيث أن النطق واحد في كلمتي "على نية" و "علانية"، فقد لا يتبين شاعر الرّد أيهما المقصود. وهذا يحدث في شعر الشقر العشوائي . لكن لو وقع هذا البيت في قصيدة ذات نسق إيحائي لأختلف الأمر. مثال ذلك، أن يقول الشاعر:

 

دام تعرف حبي الحق وإصراري

كان تأتي بالمثايل على نية

والله اللي زادنا علم وأعلانا

الخ

 

لأتضح أن المقصود هو كلمة "على نية"، وذلك ليتمكن شاعر الرّد من المجيء بكلمة "علانية" المؤتلفة مع كلمتي "إسراري وإعلان" اللتان يوحي بـهما البدع كما هو واضح. وهذه مزيّة في شعر الشقر الإيحائي تتمثل في إيضاح اللّبس الذي قد يقع في قوافي القصيدة. وإذا جاءت قصيدة البدع بهذه الصفة، ثم ألتبس الأمر بعد ذلك على شاعر الرّد، فذلك لقصور في مدى إدراكه واستيعابه لصنعة هذا النمط من الشعر.

 

إذن على شاعر الإيحاء التمكن من شيء آخر غير الشعر، بكثرة المراس، أو تركه والنزول إلى المستوى الذي يجيده. ومتى ما استطاع الشاعر مجاراة شعراء هذا النوع من الشعر سهلت مهمته، في الوقت الذي يرى المتلقي أنـها تزداد صعوبة. والشاعر الممارس في هذا الفن ييسّر مهمة صاحبه بتمييز القوافي بما لا يدع للبس سبيلا إليه. ومن أساليب التمييز أن يشير إلى القافية بطريقة غير مباشرة من خلال بيتها نفسه. مثال ذلك قول الشاعر في البيت السابق "والله اللي زادنا علم وأعلانا". فكلمة زادنا تشير إلى أن معنى كلمة أعلانا هو رفع مكانتنا من باب عطف الشيء على جنسه. على أن هذا لا يحصل دائمًا، فقول الشاعر "ودي أنزل كل ميدان وأنتبه" بيت ملتبسٌ بذاته. فالقافية فيه ممكن أن تكون من الانتباه (انتبه)، أو من الحضور في الحفل بمعنى (أنت به). وكلمة "أنزل" في البيت تشير إلى إمكانية ورود فعل أنتبه في القافية من باب عطف الفعل على فعل مثله كما سبق، لكن قافية "وأنت به" واردة أيضًا، ومقبولة من سياق الكلام. لذا يأتي دور الأبيات الأخرى في إيضاح المقصود من القافية مظنة الالتباس. وهذا يعني زيادة مسئولية الشاعر، وحاجته إلى الإلمام بأمور غير قرض الشعر، والرّد على المعنى. وذلك بالاهتمام بعمران القصيدة شكليًا وتحليتها بشيءٍ من المعنى الذي يبقي عليه في زمرة المعدودين في هذا الفن. وبمعنى آخر، فأن على الشاعر ألآّ يكتفي بالحركة الأفقية في لحظة الوعي بالقصيدة، بل عليه أن يتحرك خلالها راسيًا في ذات الوقت ليضمن الإيفاء بشرط الشقر الإيحائي الذي عرّفناه مسبقًا. وإذا وصل الشاعر إلى مستوى يمكنه من التلبيس على صاحبه في قوافيه دون الإخلال بشرط الإيحاء، فذلك زيادة في الصنعة كفيلة بـجعل مهمة الشاعر المقابل أكثر تعقيدًا وحرجًا.  ومن المعروف أنه لو أُلتزم  الإعراب في هذا اللون من الشعر لزال اللّبس فيه، غير أن تحقق ذلك يعني  زوال هذا اللون الشعبي برمته. 

 

أما عن أثر شعر الشقر الإيحائي على المتلقي فلا أراه يختلف عن أثر العشوائي منه. فجلّ المستمعين إن لم يكن كلّهم يطرب بنفس القدر دون تفريق بين النمطين. فهم مبهورون بجناس القوافي، غافلون عمّا وراء ذلك من صنعة أو تجارة يديرها الشعراء فيما بينهم. والذي أعتقده أنه متى ما فهم المتلقي سر هذه الصنعة، تاق إلى غيرها وشعر الشعراء بملله منها، وبحثوا عما يرضي ميوله، ويحقق التميز لبعضهم على بعض. وهذا لا يعني أن ليس هناك من يفهم ما يحصل في الشعر من قبل الجمهور، إنما قصدت أن الكثرة لا يعرفون كنهه. ووجود القلة لا عبرة به، لطغيان فئة من لا يفرقون بين شعر وشعر. والأدلة على هذا التصور كثيرة، ليس هذا التفصيل فيها. وأفضل من يتكلم فيها هم شعراء الدرجة القصوى في سلم شعر الشقر، حيث هم الذين يقعون في دائرة الإجحاف من قبل الجمهور غير الملم بشئون هذا اللون من الشعر.     

 

والمؤثرات في المتلقي كثيرة منها ما هو من قبله، ومنها ما هو من قبل غيره. فمن التي من قبله مستوى ثقافته ووعيه، وبيئته الاجتماعية، وميوله الشخصي، وحالته النفسية حال الاستماع،وذكائه وفطنته وغير ذلك مما يدور في فلك ما سبق. ومن التي من قبل غيره مؤهلات الشاعر اللغوية، والصوتية، والأدائية، وجمال الحفل واتساقه، وغير ذلك من عناصر مشابهة. ويمكن قول كلمة موجزة عن هذه المؤثرات أو بعضها في الحلقة القادمة إن شاء الله.    

 

آخر محراف

 

الله الله يا علمٍ لحقناه في العصر الوخير

إن في الهندسة ولا الفلك والتجارة والصناعة

فأنا ما قصدي إلا الطب والصيدلة والصيدلة

عاد الإنسان يفتح رأس الإنسان ويغيّر مزاجه

وإن يشأ ينتـزع قلّبه ويبدله قلبٍ من حديد

قدرة الله ذا تـهدي للإنسان وتحد البصيرة

وإن يشاء يعمي ابن آدم إذا الجهل يرعى جانبه.

 

 د. ظافر بن علي القرني

 

 

 

عدد زوار الموقع

جميع الحقوق محفوظة 1426 هـ