شعر الشقر الإيحائي مؤتلف البدع والرّد:

الملل من المألوف وطواعية اللغة

شعر العرضة الجنوبية نموذجًا (21)

 

ومن المآخذ على شعر الشقر الإيحائي ذي الرّد المؤتلف فقدان بدعه إلى الترابط المعنوي بين أبياته في كثيرٍ مما يقال، وما ذلك إلا للتشبث بشرط الإيحاء، والإصرار على الإيفاء به. وقد يبلغ التنافر بين الأبيات درجة قصوى حتى أنه لا يبقى لها ما يجمعها عدا صدى الإيحاء نفسه، أي أن قيمتها لدى المتلقي تبقى في وضيفتها فقط ليس في معناها. ووظيفتها هي التمهيد لما سيأتي في الرّد. فإذا لم يأتي الرّد كما كان متوقعًا، فَقَد البدع قيمته لدى المتلقي المدرك له ولم يعد هناك ما يشفع له بالبقاء، بل أن القصيدة تصبح كالمولود المشوّه أو الخداج.

 

أما عن اختلاف المعنى باختلاف ثقافة المتلقي، فهو أمر معلوم، وهو من أكبر الأدلة على عجز الإنسان، ونقص فكره، وعدم كمال ما يقوم به من أعمال قولية أو فعلية، فالتمام والكمال لله وحده جلّ وعلا. فكما أن الشاعر ينطلق فيما يقوله من ثقافة قد تختلف في بعض أبعادها عن ثقافة المتلقي لأسباب كثيرة، فكذلك المتلقي يستقبل النص مسربلاً بثقافته وهمومه. ونكتفي هنا بالإشارة إلى حال الشاعر القدير علي بن الجهم بين ثقافتين.  ألم يشبّه ممدوحه، عندما دلف إليه، بالكلب في حفاظه للود والتيس في قراع الخطوب. وعاد بعد أن احتواه ممدوحه له فقال قصيدته التي مطلعها:

 

عيون المها بين الرصافة والجسر   جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

 

في الواقع أن ابن الجهم لم يذهب بعيدًا عن بيته الأول فالتشبيه قائم في كلتا الحالتين، والمشبه به في قصيدة ما بعد التثقيف هو من جنس المشبه به فيما قبله، ولا عبرة هنا باختلاف المشبه، فما يهمنا هو فكر الشاعر لا غرضه. نعم ابن الجهم لم يزد على أن جلب عيون المها إلى الجسر في قصيدته الجميلة، آخذًا من البدو عيون المها ومن الحضر الجسر والرصافة، وجمع بينها بأسلوب نال استحسان من سمعها من عصره إلى اليوم. وإذا ما تبصّرت في التغيّر الذي طرأ على الشاعر وجدته طفيفًا. فهو لم ينفك كثيرًا عن البيئة البدوية لكنه أصبح على مقربة من البيئة الحضرية، أو قل أصبح على مقربة من فكر متلقي شعره وهذا هو المهم.

 

هذا ولقد نظرت إلى بيتي ابن الجهم هذين قبل بضع سنوات في مقالة نشرت بهذه الجريد عنوانها " علي بن الجهم من منفوحة إلى نيويورك" (4). تصورت فيها أن الشاعر قال قصيدته الأولى في عصرنا هذا الذي نعيشه، أتراها تقابل من الجميع بمثل ما قوبلت به من استهجانٍ في حينها. وقلت فيما قلت إن من أغلى حيوانات الأرض ما أورده ابن الجهم في قصيدته. فالمودة القائمة بين الصنف الأول مما ذكره وإنسان الغرب اليوم تفوق كل تصوّر. فلهذا الحيوان لدى الغرب صوّلة وجولة ليست لكثير من النّاس، وله أسواقه ومشافيه ومحاموه وخدمه وله غير ذلك مما لا أعرفه. وخير لك أن يكون خصمك محامٍ عنيدًا متغطرسًا يدافع عن نفسه من أن يكون يدافع عن كلب. وهذا قول لا يعوزه دليل ولا مبالغة فيه. ووجدت في الصنف الثاني مما ذكر غلاءً فاحشًا لا يكاد العقل يصدقه. ثمّ وظفت تقنية الحاسب الآلي الخاطفة في نقل الأخبار، والبارعة في الجمع بين ما لا يجمع حسيًا فتصورت أن الشاعر قال نصف بيته الأول في نيويورك ونصفه الثاني في منفوحة. ثمّ نظرت في فكره بعد ذلك فوجدت إنما أحرجه فيه نوع المتلقي. فلو أن جمهور ابن الجهم اختلف، لما أضطر أن يتحايل عليه بقوله عيون المها. 

 

وما ينسحب على الشعر العربي الفصيح ينسحب على غيره، بل إن المواقف الدالة على مثل ما سبق أكثر ظهورًا اليوم في العامي منها في الفصيح، لصدقه في التعبير عن شئون النّاس، ولكثرت ارتجاله من شعرائه، ولجمعه بين فئات ذات ثقافات مختلفة متباينة. ومتى ما تباينت ثقافات النّاس اختلف المعنى في كثير مما يتلقّون لأنه صادر من إنسان فيه من النقص ما فيهم أو أكثر أو أقل كما ذكر في مطلع هذه الحلقة. ومن عوامل اختلاف الثقافة، تداخل الأجيال مع بعضها. فالسن يلعب دورًا مهمًا في قضية المعنى، فمن عمره ثمانون سنه قد يصرف المعنى ليعبر به عن ظروفٍ عاصرها. ومن عمره عشرون سنه قد يصرفه لغير ذلك بحسب ما يعانيه، وقس على ذلك. ولقد لمست بنفسي بعض هذه الشجون التي لا يتسع المجال لذكرها. منها أن أحد الشعراء قال في قصيدة له " وأنا بين النّاس بالقى موالي وألقى عد" والعد المراد شيء يعتد به، فماء البئر إذا كثر ودام كان عدًا، ويطلق ذلك على الشاعر المتمكن من باب التشبيه. وكان ممن سمع القصيدة أناس حدثت لهم حادثة وهم يحملون متاعهم على جمل في إحدى سفراتـهم، فهمس أحدهم قائلاً " لعل هذا الشاعر يعنينا، ويذكّر بتلك الحادثة السيئة". فأصغى الجميع إلى ما يقوله الشاعر، وما لبثوا أن مالوا إلى رأي زميلهم، وجمعوا أمرهم على عدم الإشادة بـه حيث هو مجحف في شعره متجاوز في معناه. كل هذا اللبس حصل من فهمهم لكلمتي "ألقى عد". حسبوها تصغيرًا لكلمة القعود التي هي اسم من اسماء الجمل. وهذا شطط في التفكير جلبته غلبة الحادثة عليهم، وتوقعهم أن يرد على لسان الشاعر ذكر لذلك الموقف الخاص بـهم، لكون المهرجان قائمًا في دارهم، ولرغبتهم الدفينة في تحميل القول ما يلح في أذهانـهم من معنى. فلقد عسفوا القافية عسفًا لتوائم ما في نفوسهم علمًا أنـها لا تأتي تصغيرًا لما ذهبوا إليه، ولكن لله في خلقه شئون. وللحديث صلة.

 

آخر محراف.

نحمد الله تعالى نحنُ في عصر تدبير وخير

            أسالوا صاحب المعروف وأهل الجمايل والصَناعة

            عاد كلٌ يقول الفيد والصيد  له والصيد  له

            لا وكلٌ يدير البن والهيل والزعفر مزاجه

            من كثر الفائدة ما عاد ينشد حديدٍ من حديد

            ألا يا جار لا تـهمل في الجار فمصيرك مصيره

            حتى لو كان رضي الذئب بالكبش يرعى جانبه

 

د. ظافر بن علي القرني

 

 

 

 

عدد زوار الموقع

جميع الحقوق محفوظة 1426 هـ