الملل من
المألوف وطواعية اللغة
شعر العرضة
الجنوبية نموذجًا (22)
فالمعنى ليس دائمًا في بطن الشاعر، وإنما قد
تجده كامنًا في ذهن المتلقي. وإشكالية المعنى حيّة ما بقي هناك من يدعي أنه كفيل
بتحديد ماهيته وموقعه في بعض ما يتداوله النّاس من خواطر وأفكار نثرية أو شعرية
سمتها الأولى النقص الملازم لقائلها، ولمن يتلقاها مهما بلغ بأينا التصوّر أنه على
شيء من العلم. وخطورة شأن كون المعنى في ذهن المتلقي أعظم من كونه في بطن الشاعر.
إذ الشاعر فردٌ، والمتلقي قلّما يكون كذلك، وربما كان ملأ أو أمة. ثمّ هو أشرف في
الذهن منه في البطن. ومهما أمتهن المعنى، فإن الضالين والمُجان هم من أشد النّاس
وطأة عليه، ولا يجاريهم الجهلة في ذلك، حيث يجرّه واحدهم إلى بؤرته جرًا، فيلبسه
فكره، ويحيطه بنظره، ثمّ يبثه فيمن حوله، وفيمن يلونه، جازمًا بجدواه، منافحًا
عنه، مبغضًا لما سواه، ومتكئاً على زمن تجد فيه كل دعوة شداتها ومحبيها مهما حقر
شأنها ورذل. ولولا الخروج على مألوف هذه السلسة لاستطردت قليلاً، فلقد تقافزت
"الغدد المعنوية" قبل "منظار التشريح" المبدئي بشكل مهول،
جعلنا نضرب صفحًا عن طلب "التشريح العميق" لتأصل العلة. بعد هذا، نورد
مثلاً آخر على تشكّل المعنى بحسب عقلية المتلقي شاء الشاعر أم أبى. يقول أحد
الشعراء، أنه قدّر في قصيدة له أن يرحب بضيوفٍ لفوه، ويطريهم فيها بما هم أهلٌ له.
فقال فيما قاله وشاعرهم المقابل يسمعه وينظر إليه:
الله يسقي ديرةٍ كل نشمي ضال منها
تحمي العائذ من النّاس واللاجي بـها
ويرد هو عليها فيقول:
كلمة المعروف ماني بوالله ظالمنها
إن تجي عندي من النّاس والاّ أجي بـها
فتمعّر وجه الشاعر المقابل، وتناوله بقصيدة
شرسه، لم يتوقعها في مثل تلك اللحظة. قال فصمتّ تقديرًا للضيوف. ثمّ استجلبت
التاريخ، والجغرافيا، وسياق اللغة، وتراكيب القصيدة، ففهمت أن القول لا يناسب
عقلية المتلقي، إذ حين ما سمع أن في المسألة ظلمًا ولجوءًا، صرف المعنى إلى السيئ
من القول، ولم يعد يلتفت للقصيدة بعد هذا التصور، وحلّ المعنى بيني وبينه. والغريب
في الأمر –والكلام
للشاعر- أن هذا الرّد العنيف قوبل باستحسان من المتلقين كافة، ولم يلمس الشاعر من
يؤيده على معناه المناقض لما ذهبوا إليه. فاستاء وتعكّر جوّه الشعري أيما تعكّر،
وشعر بإحباط لم يشعر بمثله من قبل.
فقلنا لعلّ في قصيدتك ما يثير الشكوك. قال لا
وإنما آل بي إلى ذلك تكلف الشقر عند من لا يستحسنه، أو عند من لم يسمع به. فقولي
متمنيًا أن يسقي الحيا (المطر) أرضًا لم يأتنا منها إلا كل رجلٍ حر،ٍ ما قصدت به
إلا أرضهم. وذكرت من صفات تلك الأرض أنها تحمي من يلوذ بحماها أو يلجأ إليها من
خوف. وهذه مزية تود كل أرض أن تتصف بها. ثمّ قلت أن كلمة الحق والمعروف، من مثل ما
ذكر في حق هذه القبيلة، لن يلحقها ظلمٌ ولا حيف، وهي إن لم يقلها غيري فسوف
أقولها ولا أبالي. ولو حمل الرّد معنى آخر فهو حسن لا سوء فيه. لكن الشاعر
المقابل، ليس ممن يهمه التلوين اللفظي في شيء. فهو يأخذ الكلمة المسموعة بما يغلب
عليها من معنى، دون التمعن في تركيب الكلمات بما يجعل من بناء القصيدة معمارًا
متماسكًا لفظيًا قبل تماسكه معنويًا. وما يغلب على كلمة "ضال منها" هو
معنى الظلم مع أن المقصود بـها "جاء منها". أما كلمة "اللاجئ
"فهي سيئة الفحوى جاءت مدحًا أو ذمًا عند من لا يجعل في اللغة سعة للتفنن أو
الإبداع المباح. قلنا قد تكون على حق..
من هذا، نستطيع أن نخلص إلى أن القصيدة الجميلة
التي تحمل في بعض أبياتها كلمات سيئة الصدى قد يأتي تأويلها سيئًا من قبل المتلقي
الجاهل (غير المثقف). أما القصيدة السيئة التي تحمل في طياتها كلمات جميلة الفحوى،
فقد يتأولها بمعنى جميل رائع. ومثال ذلك، إنه لو سمع في قصيدة جميلة عبارة
"والخسارة والفشل…" لطبع القصيدة كلها بطابع السوء. أما
لو سمع عبارة "شلّت البيضاء، أو يا رجال الحق " في قصيدة ليست بجميلة
المعنى، لطبعها بطابع الجمال، وغفل عمّا يتلو من كلمات سيئة المقصد هي في الواقع
الرسالة التي يحملها الشاعر. ولا تقتصر مكافأة الشاعر من المتلقي على الإطراء أو
التقبيح بل قد تتعدى ذلك إلى مطاردة شاعر الذم بدراهم معدودة كسوة له، وتناول شاعر
المدح بـهراوة أو هراوتين جزاءً له وردعًا لأمثاله من المثقفين. وللحديث صلة.
آخر محراف:
يقول الشاعر محمد بن ثايب الشهراني
وإن ضحكت وقلبك أسود من الصاجِ
فابك يا من لا يحن البكا نونه
د. ظافر بن علي القرني