الملل من
المألوف وطواعية اللغة
شعر العرضة
الجنوبية أنموذجًا (23)
قلنا إنه ربما أُخذ المتلقي بحلو القول، فغفل عن
مره. ولا غرابة في أن يقدم الشاعر حلو قوله على مره، فينهج نهجه النّاس في خطبهم،
ومحادثاتهم، فيكون لهم تحقيق ما يصبون إليه من مأرب، وما يرومون إليه من أهداف.
أوليس السائد اليوم هو التمهيد للرسالة التي يود القائل قولها، بكلام لطيف جميل،
تقع به من المتلقي موقعًا حسنًا، فيحسن بموجبه الظّن بقائلها، ويصغي إليه بكل
أحاسيسه. فما بالك عندما تكون الرسالة جافة خشنة، أليست أولى بالتزيّن والتجمل حتى
لا يكون أثرها إلا بعد حين من قولها. على أن اللبس في المعنى، من قبل المتلقي، قد
لا يقع بسبب حسن أوائل الكلام، وسوء أواخره، وإنما قد تحثه بعض كلمات القصيدة أيًا
كان موقعها، فتحرك في فكره كوامن معنى سابق، أو تثير لديه الشك لأمرٍ يتصوره، كما
توضح ذلك القصيدة التالية. يقول أحد الشعراء، في قافية له:
عند قومٍ ما يبون المخلّة والمسَافر
والوجوه البيض ما كل منصى إلا لها
فأرتج على الشاعر المقابل، ونعته ببعض الصفات
التي لو سمعها من لا يعرفه لولّى مدبرًا ولم يعقب. ففهم الشاعر إنما أوقعه في
الحرج إيراد نفي السفور مع الوجوه البيض في بيتي القصيدة. علمًا أن عبارة
"بيض الوجوه"، أو "بيضان الوجوه" مما يستخدم بكثرة في التعبير
عن رجالٍ ذوي جميلٍ ومعروف لا يُنكر. وزاد من اللبس ورود عبارة "منصى إلا
لها"، فيجوز أن ينصى (أي يأتي إلى) بيض الوجوه، من الرجال أو من غيرهم. ويقول
الشاعر نفسه، إن مثل هذا اللبس ليس بنادر الحدوث، إذ أنه لا ينسى ما حدث له ذا
يوم، عندما قال في مجمع كبير القصيدة التالية:
حي قومٍ يذهبون العواني
بالجسارة تذهب العانية
فإذا بالعرّاضة (المتلقي) يغيرون البيت ويقولون
بدلاً منه:
حي قومٍ يذهبون العوادي
بالجسارة تذهب العادية
ولم يكن ذلك لخلل في السمع، إنما هو إصرار من
قبلهم لصرف المعنى لما هو أفضل كما يرون. إذ العانية لديهم كلمة لا تأتي إلا بمعنى
النسيب أو الصهر، وإذهابه كبيرة، ومنقصة لمرتكبها. فأطرق قليلاً، ثمّ مدّ بصره
ناحية الأفق، فإذا به مع أبي الطيب على جواده، يردد:
ما مقامي
بأرض نخلة إلاَّ كمقام المسيح بين اليهود
فصدّقه، ورغب في مساءلته، أو مصاحبته، غير أنه صحا على صوتٍ أجش من
أحدهم يقول " يذهبون العوادي" أحسن. فجعلها كذلك، ولما جاء إلى الرّد
قال:
الرديء من لا يعزّ العواني
والوفي من يكرم العانية
فرحبوا بهذا المعنى، وهتفوا به، ولم يلتفتوا
للشقر الذي تجشمه الشاعر سلفًا. بل إنه بمجرد سماعهم إكرام العانية (الصهر أو
النسيب)، نسوا أول القصيدة، وزاد إصرارهم على العوادي. قلنا له، وما معنى العواني
المنكرة من قبلهم. قال هي من عنّى بمعنى أتعب، والعواني هي الأمور المتعبة أو
الأشياء المرهقة. والعانية هنا مفرد منها. قلنا له واللغة، قال فيها سعة. ثمّ هي
ليست مستحوذة عليّ، إلا بقدر ما أتّبع، وأنا مستحوذ عليها، مأخوذ بـها بقدر ما
أبتدع. إنها علاقة عجيبة بيني وبينها، أتصورها حينًا، فأفرح، وتغيب عني أحيانًا
كثيرة، فأغتم.
فعجبنا له، وقلنا لعل هذه الأمثلة وغيرها تشير
إلى أن ذهن المتلقي ليس خاليًا من المعنى تمامًا، فيسقط القائل فيه ما يشاء، إنما
هو ممتلئ بمعانٍ يزاحمها المعنى الجديد مزاحمة قلما ينتصر فيها. نعم قد يتفق
المعنى المطروق مع ما في ذهن المتلقي، فيرحب به، ويستحسنه، وقد يتفق معه في جزئية
ويفترق في أخرى. وقد لا يتواءم مع ما في ذهنه من معانٍ متناسقة حسب وعيه، وثقافته،
فيرفضه، ويحاربه، ويسخط من مبدعه. فانظر أي بضاعة تشتري، من قبل. وللحديث صلة.
آخر محراف:
يا الله يا منزل القرآن خير المعاني والحديث
يا الذي ما يغرّه فعل واحد ولا مليون مليون
ترحم الأرض وهد النّاس فأنت الإله وليها
أشهد إني أنبسط لا شفت لي مسلم صادق يدين
ومّا لا شفت لي من يقضي الليل في لهوٍ مع دنّْ
قلت جنّب طريقي وابتعد وابتعد واتّقنيّه
د. ظافر بن علي القرني