الكلمات السيئة في الشقر الإيحائي

الملل من المألوف وطواعية اللغة

شعر العرضة الجنوبية أنموذجًا (24)

 

بعد أن تدرجنا في دراسة شعر العرضة من الشعر التلقائي، إلى الشقر العشوائي، إلى الشقر الإيحائي الناقص بشقيه (البدع المؤتلف والرّد المؤتلف)، نأتي اليوم إلى المستوى الأخير منه الذي هو شعر الشقر الإيحائي التام. وهو ما يأتلف فيه البدع والرّد معنى أو لفظًا. وقلنا فيما مضى أن ذا البدع المؤتلف الخالي من شرط الإيحاء لما بعده، لا يأتي به أو لا يفضله الشاعر المتمرس الخبير بصنعة الشعر، وإن وقع فيه شعراء مشهورون لا يشق لهم غبار في ميدان المحاورة. وأن ذا الّرد المؤتلف هو المفضل من قبل الشعراء المتمكنين، ولا يجيده إلاَّ قلة منهم. ومتى ما حصل الائتلاف في البدع والّرد معًا كان التمام والتميّز، وهذا نادر الحدوث إذا ما حاول الشاعر الموائمة بين اللفظ (المبنى) والمعنى، وممكن من جهة المعنى فقط كما ستوضح ذلك الأمثلة المقبلة.

 

ونفرق بين المبنى والمعنى لأن شاعر البدع قد يبني قصيدة موحية، غير أنها مهلهلة لا ينتظم أبياتها نسق معنوي مفيد؛ أي أنه لا رسالة لها سوى التمهيد لما سيأتي في الرّد. فإذا ما استطاع الشاعر أن يجعلها متّسقة من جهة المعنى إلى جانب صفة الإيحاء فيها، كانت أحسن من الأولى. فإذا ما استطاع، إلى جانب ذلك، أن يجعل كلمات قوافيها مؤتلفة من جهة اللفظ كانت أفضل وأميز. ومن الأمثلة على ذلك، قصيدة الشاعر عبد الله البيضاني الزهراني التي يقول فيها: 

 

الله من ناويٍ عرّض وهو مستحين

مرّ بيشة وشلّ االنّخل ومع الثرى

وإن مضى من خبوت الليث ما شي خساير

ما بذيك الديار إلاَّ جرام أثلها

 

فالقصيدة، مترابطة، ينتظمها وحدة موضوعية غير متشعبة من أجل الرّد. وهي في الوقت ذاته، تقود شاعر الرّد إلى أن يقول شيئًا ما لا يمكن الرضا بغيره. وهذا فعلاً هو ما أتى به الغويد الغامدي في رده، حيث نوه بمكانة أهل الأخلاق الحميدة (المستحين) من مثل مضيفيهم، الذين يختلفون عن المتعثرين من غيرهم، وأشار إلى أن هذه الحفلة ما جرى مثلها على حد علمه. فالقصيدة محققة لشرط الإيحاء، مؤتلفة البدع والرّد من جهة المعنى. ومن الواضح إن الفارق الرئيس بين هذا الائتلاف وذي الرّد المؤتلف هو علو درجة التماسك من جهة المعنى في البدع، وعدم سيطرة حب الإيحاء عليه بدرجة تفقده تماسكه، كما هو الشائع في جلّ ما نسمعه من شعر.  فإذا ما أضيف التآلف اللفظي الذي يزيد من تناسق المعنى بطبيعة الحال، إلى جانب حفظ شرط الإيحاء، بلغ التمام ذروته. خذ مثلاً القصيدة التالية، لو قال شاعر البدع ما يلي:

 

الغيث لا من جاء يسقّي بلد وأنهار

ويزيد منه الزرع والضرع والآبار

إما الغضب لا جاك سيله يزيد بـحُوره

ما يحتمل حيٍ رعوده وسائله

 

فيرد عليه صاحبه قائلاً:

 

يا كيف لي بالصاحب اللي عمي وأنهار

من بعد كان يقوم بالحمل ولا بار

أراه قبل العين حائر يزيد بحَوره

كثرت مهماته وضاقت وسائله

 

تجد أن الائتلاف اللفظي واضح بين القوافي. فالأنهار، والآبار، والبحور، والسيل كلمات متقاربة المدلول، مادتها كلَّها الماء. وكذلك الانهيار، والبوار، والحيرة، وضيق الوسيلة تشترك إلى حد ما في مرجعها اللفظي المفضي إلى التشتت والضياع. ولو لم تشترك ألفاظ الرّد في معنى واحد، لما عاب ذلك الشاعر، فالمهم أن يكون وفىّ الشاعر بشرط صاحب البدع فيما وجهه إليه من قول. غير أن التميز هنا برز في البدع حيث جاء، على الرغمّ من حفظه شرط الإيحاء، مؤتلفًا لفظيًا. وهذا ما لم نعهده في المستويات السابقة من الشعر. على أن التآلف في اللفظ يزيد من تآلف المعنى إذ الفصل بينهما لا يراه المتكلم، وإن رآه الباحث. وللحديث صلة.    

 

آخر محراف:

 

سبحان الله يا شيء لحقناه في العصر الحديث

البشر قرّبوا القاصي وخلوا الحديد الصلب مليون

لفّ حزمة من الفولاذ مثل الحبال وليّها

 

واجب نقوم بالواجب ونعمل عملنا باليدين

ونتعامل مع الآلات ونواصل أطراف المعادن

ما يعز الوطن غير اليد العاملة والتقنية

 

د. ظافر بن علي القرني

 

 

 

 

عدد زوار الموقع

جميع الحقوق محفوظة 1426 هـ