24

الملل من المألوف وطواعية اللغة

شعر العرضة الجنوبية أنموذجًا (25)

 

لا نعدم المزيد من الأمثلة على شعر الإيحاء التّام، رغم ندرتها، لكننا لا نود إثقال هذه المقالات بكثرة التمثيل، كما لا نريد إملال القارئ الذي لا يستسيغ مثل هذا النوع من الشعر، إذ الهدف هو تبيين المنهج المتّبع الذي تتضح من خلاله رغبة الشعراء المطّردة في أشغال بعضهم بمسئوليات مترادفة، إلى جانب الشعر،  تتمايز بها مواهبهم، وتعرف بها قدراتهم. وعلى الرّغم من التسامق العجيب، والتصعيد المستمر نحو الأصعب، والأعمق، وبلوغهم في ذلك درجة غريبة، كما رأينا، إلا أن الشعراء لا ترضيهم الحال التي يصلون إليها، فما هو عند غيرهم في حكم الجديد المدهش، هو لديهم من المعروف المألوف. وكأني بهم لمّا رأوا سبل التطوير بدأت تضيق عليهم ارتدوا إلى ما طوّروه، وأخذوا في تكثيف استخدامه من الداخل، والتحكم في طريقة التحاور بدلاً من التحكم في الشعر ذاته. من ذلك، جعل الشاعر مسئولاً عن قصيدته كاملة، بدعًا وردًا، دون مشاركة من الشاعر الآخر الذي يتولى بدوره قصيدته كاملة. ومنها إلى ذلك، الإصرار على قوافٍ معينة، وعدم تغييرها مع أن ذلك هو المألوف، كما يظهر من المحاور ة التالية بين  الشاعرين سعيد بن عيسى، ومحمد بن حسن المالحي،  التي أوردها عبدالله المالحي في كتابه "من الأدب الشعبي بمنطقة الباحة" (الجزء الأول 1412هـ). وهو كتاب جيد وإن كان المؤلف يسمي اللحن  الواحد بعدة أسماء، فمرة  يسميه "طرق اللعب" ومرة "مسحباني" ومرة "مسحباني قديم". أو قد يسمي القصيدة من طرق اللعب وقد تكون من غيره، كما في مثالنا هذا. فماذا يقول الشاعر  سعيد بن عيسى في بدعه؛ يقول:

      يا مرحبًا وهلين يا مالحي ميات

     من معرفة بالصدر والقلب وافرات

     يا ولد شيخ ابن حسن ما هم  الخَلفات

     ترحيبةٌ تنقل شدا دوقة ابن خير

 ويقول في رده:

 

أيات شرب المحض والمالحي مياة

وأيات شرب العذب والهمج والفرات

ويات شرب المحض من وبلةٍ خلفات

ويات يا أخي عزوة البل والإبن خير

 

فيقول الشاعر محمد بن حسن المالحي في قصيدته ردًا على ابن عيسى:

 

بقيت يا للي عنده المال حيّميات

ويطرد اللي حاصلة والنوافرات

بد الذي حاضر وكب الذي خل فات

يا أخي سعيد ابن المعاريف وابن خير

 

ويقول في رده مكملاً قصيدته:

 

ولا تقول العود ذا ما لحي مَيّات

إلا من المنشار إلى ما نوى فرات

وكل يوم يسهل الرّزق والخُلفات

وانا شربت السمن واخَلّي البن خير

 

 

ولقد شرح المؤلف مفرداتها كلها فوضحت معانيها عدا قول ابن عيسى "ويات يا اخي عزوة البل والإبن خير"، وقد تكون عزوة الأب والابن خير.  ولا بأس بإيراد معاني القوافي هنا ليستبين الهدف الذي أوردنا المثال من أجله. فقول ابن عيسى ( يا مالحي ميات)  في بدعه تعني تكرار الترحيب به مئات المرات وفي رده تعني الماء المالح. وكلمة (حيّميات) في بدع المالحي تعني الكثير وقوله في رده (ذا ما لحي) تعني العود الذي لم يفقد قشرته و(ميّات) من الموت. وكلمة وافرات في بدع بن عيسى تعني  كثيرة متوفرة  وفي رده تعني الماء العذب. وهي في بدع المالحي تعني الشاردات وقوله في رده  (نوى فرات) أي قصد تقطيع العود.  وكلمة  الخلفات تعني لدى بن عيسى في البدع رعاع القوم، وفي الرّد النوق الحلوب. وهي عند المالحي في البدع  من كلمتين (خل فات)  بمعنى دع ما مضى. ويقول المؤلف أن معناها في الرّد وجبات الطعام. أما عبارة (ابن خير) فهي في البدع عند بن عيسى تعني دوقة في تهامة  (كما ذكر مؤلف الكتاب) وفي الرد أعتقد أنها تعني  أي الأمرين المذكورين  أفضل. وهي في بدع المالحي تعني بناء كل ما هو مفيد نافع. وقوله (وأخلي البن خير) في رده تعني تأجيل شرب القهوة إلى ما بعد السمن. وفي هذه المحاورة مهارة فائقة دافعها التحدي وحب التعقيد، وقد تكون استمرت لأكثر من هذا. لكنه لا يخفى على القارئ ما في بعض الأبيات من ركاكة دعا إليها التكلف المبالغ فيه، كما في قول الشاعر هنا "بد الذي حاضر وكب الذي خل فات"، فكب وخل هما بمعنى واحد. وقولك كبّ الذي فات أو خل الذي فات يؤدي الغرض، لكنما الشاعر يهمه الوفاء بقافية معينة في وقتٍ قصير فجاء البيت بهذه الصورة. ونواصل الحديث في الحلقة القادمة بإذن الله.

 

آخر محراف:

 

يقول صالح بن عزيز القرني في قصيدة له:

 

الكهرباء بالنّور وألقت لحامِ

والرّوح يتمشّى ودفّ إقدمه

 

فيقول بن ظافر الشمراني:

 

من يعترض في الدّرب والقتل حامي

يحلّه الفارس ودفّق دمه

 

ويحلَّه الفارس بمعنى يذبحه وقانا الله وإياكم كلَّ بأس.

 

                                                                         د. ظافر بن علي القرني

 

 

عدد زوار الموقع

جميع الحقوق محفوظة 1426 هـ