الملل من
المألوف وطواعية اللغة
شعر العرضة
الجنوبية أنموذجًا (26)
نخرج من هذه الدراسة الموجزة إلى أن شعر العرضة
الجنوبية مرّ بمراحل متتالية إلى أن وصل إلى ما وصل إليه من تكلف مرغوب. ورأينا من
خلال ما طرحناه قدرة بعض شعرائه على تطويع اللغة لما يريدونه من قول، مع ما ينبغي
عليهم الالتزام به من تلوين لفظي، ونمط بنائي للقصيدة ليس بمعهود –فيما أعلم- في أي نوع
آخر من أنواع الشعر المختلفة. فالتكامل نحو إجادة التكلف في الشعر يظهر أكثر ما
يظهر على شعراء هذا اللون وإن وجد في غيره. وذكرنا فيما ذكرنا الأسباب التي حدت بالشعراء
إلى التدرج نحو الأصعب، وما بلغوه في ذلك من مبلغ.
وبعد هذه النظرة العجلى في شعر العرضة من
الناحية اللغوية، يبرز لنا عدد كبير من الأسئلة منها: ما حال هذا الشعر بين الماضي
القريب والحاضر المعاش، وهل نحن معه أم ضده، وهل على الشعراء أن يكونوا كلّهم من
شعرائه، وما الواجب على مستمعه، وما تأثير وسائل الإعلام عليه، وهل هناك مشترك
لغوي وفكري بين شعراء العرضة وشعراء الفصيح، وغير ذلك كثير من الأسئلة التي لا
يحسن بنا طرحها إعلاميًا. وعلى أن موضوع هذه الأسئلة يختلف عمّا نحن فيه، فالتطرق
لها بشيء من الإيجاز فضلاً عن التفصيل، يطيل أمد هذه الدراسة وهو ما لا نحبذه.
فأختم بكلمات يسيرة فيها إجابة مختصرة على بعض من هذه الأسئلة.
فأما حال هذا الشعر بين الماضي القريب والحاضر
فيدلنا على أن شعراء الماضي أوفر حظًا فيه من شعراء الحاضر، ذلك لأن منهج الشقر
يحتم على أن يكون للكلمة معنيان بلفظ واحد أو بلفظين متقاربين. والكلمة هي الكلمة
ومن يسبق إليها يكون لاحقه مجرّد مكرر لما قاله. ولا شك أن شعراء الماضي وقعوا
فيما يقع فيه شعراء الحاضر من تكرار كلمات من سبقهم. غير أن المستمع لا يعلم إلا
ما شهده، ولذلك يكون ما يسمعه جديدًا بالنسبة له، يأخذ بلبّه، ويبهره، فيسجل السبق
للشاعر الراهن دون السابق. ولعل هذا هو السّر الذي حدا بشاعر كبير من شعرائه إلى
أن يقول أن هذا الشعر لا يقال ليدون، وإنما يقال في حينه ويتداول مشافهة. ومن هذا
المنظور، فإن هذا النوع من الشعر لا تخدمه وسائل الإعلام وإنما تكشفه وتبيح سّره.
فمن منافع وسائل الإعلام أنها تطلعك على ما في أماكن مختلفة في وقت واحد، وما في
هذه الأماكن قد يكون متشابهً أو مكررًا ولا جديد فيه، وفي ذلك ما فيه من ملل
للمستمع الذي يبحث عن الجديد. ثمّ أن وسائل الإعلام لا تخدم هذا الشعر من منظور
آخر، إذ هي لا تنقل معناه فقط بل ومبناه أيضًا أو فلنقل وتقنيته. لقد نما هذا
الشعر أكثر ما نما عندما كانت بيئته معزولة بنواميس القبلية. فما يقال هنا لا يعلم
عنه من يعيش هناك. والكلمات التي تقال اليوم في بيئة معينة، يمكن أن تقال غدًا في
بيئة أخرى ولا تفقد من بريقها شيئًا لعدم معرفة المتلقي بقدمها. ولعل هذا ما يفسر
لنا وجود شاعر بارع متمكن من هذا النوع من الشعر في بيئة فيها شعراء لم يمارسوه
إلا بعد الاحتكاك به. ذلك لأن الاطّلاع على منهج هذا الشعر تأتى له أما بسفر، أو
برواية، أو بغيرهما وحجب عن غيره.
أما هل نحن مع هذا اللون من الشعر أم ضده، فنحن
ضده عندما يُذكر لنا، ونحن معه عندما نسمعه. أما هل على الشعراء كلهم انتهاج
أسلوبه ؟، فلا نرى هذا، لأن الإجادة فيه مهارة لا تتأتى لكل من أرادها. فقلة هم
الشعراء الذين يجيدونه، أما البقية وإن مارسوه، فهم متجشمون لما لا يحسنون.
فالمستمع يُسر بالتكلف الميسور، أما التكلف المعسور فيزعجه.
ولا بد في الختام من كلمة موجزة، مهمة. فأقول أن
دراسة شعر العرضة من جوانب فكرية ولغوية محددة، لا تتضمن الدعوة إلى ممارستها
والشغف بها، بأي حالٍ من الأحوال، ولا تحثّ على تتبع شعرائها ومطاردتهم من شِعب
لشعب، ومن قرية لقرية، والسفر إليها من مدينة إلى مدينة كما هو الحاصل اليوم. ذلك
لأن في كثيرٍ مما يقال تجاوزًا ولغوًا لا ينبغي سماعه فضلاً عن تشجيعه. ثمّ أن في
ممارستها، بهيئتها اليوم، مضيعة للوقت، وتفريط فيما هو أولى بالأداء والمواظبة.
فمن المعلوم أن عاشقي هذا اللون الشعبي يسهرون إلى ساعاتٍ متأخرة من الليل، ثمّ
يهجعون طوال النّهار، فينقلب بذلك ليلهم نهارًا ونهارهم ليلاً، ويقع التفريط،
ويحصل الخلل، وتحل الخسارة على الفرّد من جانب فيما هو معلوم، وعلى أمته من جانب
آخر لما يقصّر فيه من تأدية واجبه في عمله أيًا كان موقعه. زد على كل هذا، أن
المهرجانات التي يقال فيها هذا الشعر اليوم، لا تكاد تخلو من حوادث فادحةٍ ومميته.
والذي قصدته من هذه الدراسة، أن أشير إلى مسائل مهمة منها ما يلي:
·
أن الفكر والعلم والعطاء مواهب ليست بمحصورة على
من يحمل القلم، بل قد يكون أبعد ما يكون عنها، إذ الجهل غير الأمية.
· أن دعوى المدعين بالتجديد في الشعر شكلاً ومضمونًا مسبوقة بعمل هؤلاء
الشعراء الذين لا يزيّنون أفكارهم بأصواتٍ إعلامية، ولا بمنابر أكاديمية، بل
يلقونها على مستمعيهم مهما قلّ عددهم أو شأنهم. ويتطلّعون بعدها لما هو أعمق منها
وأفضل.
· أن لدى كل فئة من النّاس اليوم شيئًا من اللغة فيه الغثٌّ والسمين،
فلا حاجة بنا إلى تقسيم النّاس -من جهة اللغة- إلى عالم وجاهل على معايير
ابتدعناها لأنفسنا، وصدّقنا بـها، وطابت لنا، ولم يعد نقاشها واردًا، ولا مستحبًا.
هذا ما وددت قوله، وأشكر للقارئ الكريم متابعته،
وحسن ظنه، ولنا معه لقاء آخر إن شاء الله تعالى.
آخر محراف
أما أنا رأيت راعي العلم جاء بالكتاب وفاد علم
إن حمل للقلم خط الرسائل كما في البرّ سائل
وإن وضع للقلم قالوا الخلائق متى علّه يعود
عاش في جيل من ساعة يرى النور يؤخذ بالدّروس
يوكلونه إلى قومٍ تضرّت على المنهاج والدّرس
علّموه إن الاشكالات بعد الدراسة حلّها
فاد، حتى أصبح أقصى الأرض قدّام عينه واليدين
وأصبح يراقب الأقمار ويديرها بالكومبيوتر
ويتعامل مع أهل الروم بعلومهم ولغاتـهم
والذي عاش قبّله ما لقي المصاعب والمتاعب
يتَحدى ظلام الليل ويموت من قوتٍ لقوت
ينقب الصخر بعد الصخر حتى يفيض الماء منه
ويتعقّب حلاله في الجبال العصيّة و البراري
ظني ما في حجر في الديرة إلاَّ وقد وقّف عليه
والمصيبة إن راعي الصخر قال إن راعي العلم عالة
لا وراعي الحروف يقول راعي الحجر ما شاف شي
والمشقّة تحل على الذي عاش حالٍ من ثنين
إن سمع قول هذا ظن في ذاك بظنونٍ عجيبة
وإن سمع قول ذاك يظن في ذا ولا يأمن معه
وأنا من حسن حظي عشت هذي وهذي عشتها
د. ظافر بن علي القرني