الشقر الإيحائي ذي البدع المرتب:

الملل من المألوف وطواعية اللغة

  شعر العرضة الجنوبية أنموذجًا (3)

 

كانت الحلقة الأولى من هذه السلسلة مدخلاً إلى العرضة الجنوبية بصفة عامة. تكلمنا فيها عن مقوماتها وكيفية أدائها وأغراضها في الماضي والحاضر وعن تغيّرها مع الزمن. ثمّ أشرنا في نهاية الحلقة إلى حصر القول فيما يلي من حلقات في شعر العرضة، فنقول وبالله التوفيق.  الأصل في الشعر التلقائية والارتجال. ويظهر لي أن من مقومات الشاعر الناجح أخذه من اللغة بدون تكلف فيقول كل من سمع قوله لماذا لا أقول مثل هذا، مع عجزه عنه. بل على الشاعر المبتدئ أن يكون كذلك كي لا يجنح به التكلّف في مطلع موهبته إلى الضياع المبكر جراء نقد العنت الذي يتجشمه أو لصعوبة العودة لما هو أسهل عليه بعد المجيء بما هو أصعب. فالمران يسهل مهمة التكلف ويجعلها تظهر كالسلسة غير المتكلفة. والمران الصحيح يأتي بالتدرج العفوي المريح لا بالقفز المتعجل الذي يفقد كثيرًا من أسسه الأولية. 

 

وإن افتقرنا لهذه العفوية في الشعر العربي الفصيح فهي في الشعبي منه (أو الملحون) أكثر وضوحًا ومثولا. ومن أحسن ما تضرب به الأمثلة هنا شعر العرضة الجنوبية. فالرّاصد لحال شعرائه يلحظ فيما يلحظ صدق هذه العبارة عليهم. والناظر فيه يلمح التدرج إلى الأصعب والأعمق من حيث اللغة بل يلمح الشعور بالملل من النمطية والرتابة والركود ويشعر بحب التغيير والمغامرة والإتيان بكل مذهل. وكلما زاد التعمق، زاد التخصص وقل عدد الشعراء المنافسين فكيف يكون ذلك. هذا ما سيعالج في ثلاثة محاور أساسية يمكن سردها في النّقاط التالية.

 

1.       مستويات شعر العرضة

 

  أ: الشعر التلقائي (أو العادي)

ب:شعر  الشقر العشوائي

ج: شعر الشقر الإيحائي الناقص

1.      ذي البدع المؤتلف

2.       ذي الرّد المؤتلف

            د. شعر الشقر الإيحائي التام

 

2.       شكل التحدي الراهن أو حال الشعر اليوم  

3.       شكل التحدي القادم

 

والمحور الأول من المحاور الثلاثة هو أهمها حيث يعني بمنهج التدرج في الشعر من الأسهل إلى الأصعب. قسمت فيه الشعر إلى مستويات أربعة ، كما يظهر لي من واقع الحال،  ثالثها ينقسم إلى مستويين فرعيين كما هو مبين. وقبل الخوض في التفصيل، لا بد لنا من تعريف معنى الشقر الوارد ذكره في النقاط السابقة. يفضل شعراء المنطقة استعمال كلمة "شقر" على كلمة  "جناس" المعروفة في اللغة. وتفضيلهم للفظة الشقر له وجه. إذ هي توحي ببعض المعاناة في البحث عن معنى أخر لكلمة معينة ذات معنى سابق معلوم.  ففي لغة المنطقة شقر فلان العصا أي قسمها إلى نصفين. فيشبّه الشقر المعنوي للكلمة بالشقر الفعلي للعصا. وهذا أصدق في المعنى وألصق به من كلمة جناس، والله أعلم. كما أنه لا فرق بين كلمتي شعر وشقر من حيث الأحرف إلا في عينيهما، فقام التشابه والتقارب بينهما، فاستحسن الشعراء شقر الشعر على جناس الشعر، والله أعلم ثانية. ويمكن أن نقول أن الشقر هو التزام الجناس في لغة الشعر بأنواعه المختلفة والمتعددة في كل ما يقال منه. فهو التزام يأتي فوق لزوم ما لا يلزم لأبي العلاء المعري، مع عدم ورود المقارنة التامة من وجوه عدة ليس هذا بوقتها. 

 

 سنأتي في الحلقات القادمة على كل مستوى أو نمط من هذه الأنماط المذكورة على حدة مبتدئين بالشعر التلقائي منها. نعرّف في كل حال لنوع الشعر في كل نمط ونتلمس أثره على الشعر والشاعر واللغة والجمهور.، ونضرب أمثلة له قدر المستطاع ونعلق بما يمكن التعليق به. وليسمح لي القراء الكرام في بعض الحلقات القادمة إن طرحت أمثلة مما أحفظ من شعر، قد يكون دخل بعضها التغيير مع تقادم الزمن. فذلك على ما فيه أيسر في الاستدلال من أي طريقة أخرى. كما أن المدوّن أمامي قليل في غير الملون من الشعر خاصة، أو فيما يخدم الغرض المنشود، فلزم التنبيه. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


                                                 

 

 

مستويات (أو أنماط) شعر العرضة حيث التدرج في التكلف وفي الصنعة من اليمين إلى اليسار.

 

 

 

          د. ظافر بن علي القرني

 

 

 

عدد زوار الموقع

جميع الحقوق محفوظة 1426 هـ