الملل من المألوف وطواعية اللغة

الملل من المألوف وطواعية اللغة

شعر العرضة الجنوبية أنموذجًا (4)

 

بعد الاجتهاد في تصنيف شعر العرضة إلى أصناف ذات مستويات بعضها فوق بعض، نأتي إلى المستوى الأول منها. فنقول أن الشعر التلقائي هو ما لزم فيه الإتيان بالحد الأدنى مما تعارف عليه بأنه شعر. فلا يلتفت فيه  شاعر البدع إلى طبيعة كلمات الرّد من ناحية اللغة ولا يلتفت شاعر الرّد إلى تلوين أو تنسيق كلماته لفظيًا وإن حسب حسابه من جهة المعنى.  ويمكن أن يعرّف بأسلوب آخر فيقال، مثلاً، هو ما تدنت فيه درجت التكلّف اللغوي إلى أدنى المستويات وتمّ الانصراف فيه إلى المعنى فقط. فالشاعر الأول يقول قصيدته (أو بدعه)، ثم يرد هو أو غيره بقصيدة يلتزم في قوافيها بأحرف القوافي الواردة في البدع دون أدنى التفات للشقر. من أحسن الأمثلة على الشعر التلقائي ما أورده أبو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري في مقالته -خالد الفيصل .. والحمامة .. وموتوا بغيظكم الأبيض- المنشور في الجزيرة ع 8346 في 9 ربيع الأول، 1416هـ في حوار بين شاعرين  أحدهما عتيبي والأخر عسيري، حيث يقول العتيبي في بدعه:

يا سلام عليكم عموم

كلكم تنطحون اللزوم

يا عسيري ترانا عتيبة

ما نعوّد عن الماء ورا

 

فيرد عليه العسيري قائلاً:

 

مرحبًا عد هيض الغيوم

وانت قسمك خيار القسوم

يوم خذنا عليك الضريبة

ما تعديت طلعت كرا.

وليتني أدري منهما القائلان ومتى وأين قيلت؛ أفي محاورة ودية بمجلس ما، أم في حفل عام، إذ  لكل حال دلائله ومؤشراته. ولنأخذ مثلاً ثانيًا على هذا اللون من الشعر. أقول في قصيدة قبل ما يزيد على عقدين من الزمن:

 

سلام عدة ناوي الصيف

ذا سيله أسقى كل وادي

أسقى  بلد بيشة وحوران

وأروى ظماها كثر سيلة

 

فيرد الشاعر سعد بن عزيز وهو في عنفوان شبابه آنذاك، بقوله.

 

يا مرحبًا وأهلين يا ضيف

جانا خبركم في الروادي

  أقولها مني بسفطان

وكلنا ثار الدليلة

 

واضح هنا النهج المتبع في القوافي في المثالين السابقين حيث توافق قوافي البدع والرّد في الحرف أو الحرفين الأخيرين كما هو مألوف في أنواع الشعر كافة.  والصورة جلية في المثالين إذ لو صب شاعرا الرّد جهدهما على التلوين اللفظي لما جاء الرّدان كما هما في القوة والسبك. إذن الشاعران حررا نفسيهما من ربقة الشقر  فكان لا مناص من الإجادة في معنى الرّد إذ هو الهم الوحيد هنا. ولو لم يجيدا فيه لانتفت عنهما صفة الشعر وإجادته.  ومن المعلوم اليوم أن الشاعر سعد بن عزيز كغيره ممن بقي في الساحة من جيله- لا يرضى بغير الشقر منهجًا ويعيب على من يحيد عنه قيد أنمله. 

 

ولقد كان لهذا الأسلوب في الشعر أثره الواضح على الشعر والشاعر ، فلم يكن عدد الشعراء المجيدين محصورًا في رقم صغير كما هو اليوم. بل تجد العدد معقولا في القبيلة الواحدة. فتجد في القبيلة الصغيرة  من يستطيع مسايرة أعتى الشعراء على هذا المنوال وتجد من يتقدم القبيلة في صولة كبيرة إلى قبيلة أخرى وسلاحه هذا الأسلوب من الشعر. ولقد عرفت شعراء مجيدين خفت ضوءهم واضمحل عطاؤهم بعد شمول صيحة التلوين اللفظي كامل المنطقة  أو قل بعد اتخاذ الشقر مقياسًا لجمال الشعر وتغلغل هذه الفكرة في كل قبيلة من قبائلها. ففي الشعر التقائي تقل مسئوليات الشاعر وتنحصر في معنى القصيدة التي يريد قولها. فلا يشغل ذهنه بواجب غيره. أي أن شاعر البدع لا يشغل نفسه بصيغة شاعر الرد إلا من ناحية المعنى أما من ناحية اختيار الألفاظ فلا يلتفت لذلك. فلا يقول سأقول كذا لكي يقول كذا . ولهذا الشعر حسنة أخرى من جهة حفظ التواصل بين الشعراء بما يخدم الشعر. حيث أنه إذا التقى شاعر تلقائي مع شاعر شقر أختل الموقف، وفسد اللقاء بسبب عدم الانسجام بينهما. فكلاهما شاعر لكنها اختلفت الصنعة. فكم من لقاء أعمى فيه الأخر دلائل صاحبه. فذو الشقر كالذي يؤذن في مالطة كما يُقال، وصاحب الأسلوب التلقائي يرى من صاحبه الشطط والغلو في القول.  

 

كما أن لهذا النوع من الشعر أثره الإيجابي على  اللغة نفسها. فلا تجوّز خارج عن حدود التجوّز فيها. ولا ضغط أو مدّ أو بتر للكلمات حتى تحتفظ باللفظ و تختلف في المعنى. ولا ابتذال في اللغة ولا إسفاف ولا حشر لألفاظ أعجمية لكي لا يختل معيار الشقر. ولأضرب مثلاً واحدًا أو مثالين على ما أقول. فلو قال شاعر البدع (مثل ما غنى على الشجرة طير الهزار)، لما توانى شاعر الرّد في القول مثلاً(ودنا بالجد خل التلاعب والهزار). فالهزار الأخير يقصد بها المزاح بلهجة أهل مصر وقد يكون مردها الهذر (بالذال) . فتقلب الذال إلى الزّاي حسب ما يفعله أهلها. ثمّ أنك تجد من يقول في البدع (وأنت ياهبط إلى السوق خيّل واندر إكتل) أو يقول (عند بو منصور قوم يتلون الدرك تل)  لكي يأتي صاحبه في الرّد بآلة التراكتور الجرافة المعروفة لكن بعد تحريف اسمها حسب السماع فتصبح الدركتل. إذن أدخل في اللغة ما ليس منها حتى يكون ميزان الشقر وافيًا لا نقص فيه. وهذا خلل لا مسوغ له.

 

أما عن أثر الشعر العادي أو التلقائي على الجماهير فذلك تابع أثره على اللغة، فما يصيب اللغة يصيب الجمهور. والشعر التلقائي يبقي رغم بساطته على سلامة ما سلم من اللغة وعلى سر الشعر غير مكشوف لعامة الجمهور  ومن ثمّ على سير الحفلة دون عائق كما سيأتي بيان ذلك عند الحديث عن نمط من أنماط الشقر المذكورة أنفًا. لكن قبل ذلك، نأتي في الحلقة القادمة بلمحة عن استعمال المحسنات البديعية في اللغة العربية ضاربين بعض الأمثلة للمتكلف منها خاصة في بعض  ما يسمى بعصور الضعف اللغوي في الأمة. كل هذا لكي لا يتوهم محبو هذا النوع من التلوين اللفظي أنه جديد على أهله أو أنه لم يوظف بغزارة ممن سبقنا. ولئن كانت تعوزنا بعض الأمثلة في غير الفصيح من شعر تلك العصور، فأن ضرب الأمثلة من الأزجال كفيل بأن يوضح لنا جوانب مهمة قد يعجب منها من لم يطلع عليها من قبل، فإلى اللقاء. 

 

د. ظافر بن علي القرني

 

 

عدد زوار الموقع

جميع الحقوق محفوظة 1426 هـ