الملل من المألوف وطواعية اللغة

 

الملل من المألوف وطواعية اللغة

شعر العرضة الجنوبية: نموذجًا (5)

 

أجدها فرصة مناسبة للخروج على مألوف هذه السلسلة من المقالات وذلك لمناسبة عزيزة عاشتها منطقة عسير في الأسابيع الماضية. هذه المناسبة هي زيارة صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير عبدالله بن عبدالعزيز للمنطقة وتفقده لبعض محافظاتها ومراكزها.  لقد قدمت هذه الزيارة الميمونة خدمات جليلة للمواطنين لا مجال لحصرها. منها أنها أتاحت الفرصة لهم للتعبير عن مشاعرهم تجاه سموه والأسرة الكريمة عامة، ومنها أنها يسرت على سموه -كما تفضل وقال- تلمس حاجات النّاس من كثب والوقوف على متطلباتهم من قرب وهذا ليس بغريب عليه حفظه الله. ولقد شاهد العالم بأسره ثمار هذه الزيارة الكريمة ممثلة في إظهار الولاء من قبل الموطنين وفي مشاريع الخير العظيمة التي وضع حجر الأساس لها أو افتتحها وعلى رأسها جامعة الملك خالد يرحمه الله وسد الملك فهد في وادي بيشة.  ولهذين المشروعين العظيمين أهمية بالغة في نمو المنطقة وازدهارها. إن القلم ليعجز عن تسطير منافع هذه الزيارة الخيّرة مهما أوتي صاحبه من فكر، ولسوف تبقى معطياتها وذكراها حاضرة في حياة النّاس وقلوبهم جيل بعد جيل. والحديث عن هذا الجانب من الزيارة حديث يطول إذ هي الحلم الذي تحقق في أجمل صوره، لكن الذي أريد أن أعرض له هنا هو جانب آخر من جوانب هذه الزيارة المشرّفة ألا وهو الجانب الإبداعي فيها أو فلنقل الجانب الأدبي منها.

 

فأقول وبالله التوفيق لقد فتحت زيارة صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبد العزيز الباب على مصراعيه لمن يريد أن يفهم شيئًا عن بعض تراث هذا الجزء الغالي من بلدنا الحبيب، بل إنها يسرت على المتتبع فهم قيمة هذا التراث ومعناه. ولقد كنت محظوظًا إذ تزامن نشر هذه السلسة من المقالات مع زيارة الأمير المشرقة. إذ أنها يسّرت عليّ مسألة التطبيق في كثير مما أتناوله "بالتنظير" والشرح. وأضرب هنا بعض الأمثلة:

 

تفاعُل سموه مع العرضة وتلويحه بيده الكريمة مشاركًا لأبنائه وهو في مجلسه تلويحًا متلائمًا مع إيقاعها دليل كبير على ما يبادلهم به سموه من حبّ استطاعت العرضة أن تبرز جانبًا منه. لقد علم صدقهم وهم علموا صدقه، فاتسعت الأرض لمئات النّاس حينما اتسعت الصدور في موقف أزعم أنه في أي بلد آخر لا يسلم من حوادث عارضة لشدة التزاحم. هذه المواقف لا يعلمها إلا من عاشها، فالكل يريد أن يكون قريبًا من الأمير وهو رعاه الله يمنع حرسه من أن يحول بينه وبين شعبه فكانت لحظات لا تنسى سيرويها الأجداد والأباء للأحفاد والأبناء بكل فخر واعتزاز. هذه واحدة، أما الثانية، فهي برهان سموه الكريم على أن أصل فن العرضة واحد وإنما الاختلاف يقع في أداء الحركة على نحو يختلف من منطقة لأخرى. وما يقال عن العرضة يقال عن الشعر فيها، وهو أهم إذ هي عليه تقوم. فبيت الشعر ذو وزن واحد وإنما تختلف ألحانه وتتعدد طرق أدائه. غير أن الملاحظ هو سرعة إتقان الأمير حفظه الله  للعرضة الجنوبية. فالمعهود أننا عندما نبدأ في تعلمها ونحن من أبناء أهلها، تتخالف أرجلنا فنهيزع بطريقة غير مقبولة. أما في حالة سمو الأمير فحبه لأبنائه وصفاء نفسه جعلاه يجيد الحركة منذ أن ظهروا أمامه في صفوف تلتمع فيها الخناجر والسيوف.  فهو يحكم الحركة وهو في مجلسه ثمّ يبادر إلى مشاركتهم في الميدان فيأتي أداؤه كأداء أحسن واحد فيهم، مما جعل لهذه الاحتفالات شأنًا أخر ولفت أنظار النّاس إليها وزاد من محاولة فهمها وفهم ما بعدها. ولقد رأينا الأمراء الكرام ممن يمارسون العرضة لأول مرة يقتدون بحركته حفظه الله، فخرجت الصورة في أجمل ما يكون. 

 

أما الثالثة، فعظم شأن الشعر من عظم شأن الموقف. لقد خفت شأن الشقر في هذه الزيارة إلا فيما ندر وذلك ليحرر الشعراء أنفسهم من عبء التلوين اللفظي ولينصرفوا إلى ما هو أهم وهو المعنى. نعم لقد كانت هذه المناسبة العظيمة برهانًا جيدًا لما أردت قوله في الحلقة السابقة ولما سيأتي من حلقات. فلو كانت المناسبة عادية لهاجت اللغة وماجت بأصناف الشقر المبهر الذي يخلب الألباب، لكن الشعراء استشعروا عظمة الموقف فصرفوا طاقتهم  الإبداعية إلى المعنى، فجاءت أبياتهم جميلة هادفة. ولهذا أمثلة سأضربها متى ما تيسر لي شيٌ من ذلك الشعر إن شاء الله تعالى.

 

أما الرابعة، فهي الاستمتاع بمزج شعر اللغة العربية المألوف بشعر العرضة فيما أبدعه الشاعران عايض بن خفير وصالح بن عزيز في محاورتهما التي أدياها أمام سمو الأمير في حفل محافظة بلقرن حيث ضمنا شعرهما أبياتًا جميلة معبرة من الفصحى. فكانت خطوة جيد تبرهن على أن الفصحى ظلمها الإلقاء، كما تبرهن على إمكانية عودة التحاور بالفصحى وهذه خدمة جليلة للغتنا العربية الجميلة. لكن لسوء الحظ أن تلفزيوننا العزيز لم يتمكن من عرضها ضمن البرنامج المصوّر ولعله يفعل ذلك في الصيف كما وعدنا.

 

أما الفائدة الأخيرة هنا فهي أن هذه الزيارة التاريخية حركت الإبداع في مستوياته كافة، فأبدع أهل الفصحى وأهل العامي، وأتوا بمعانٍ نادرة في لغة سامية جميلة تستمع لأولهم فتقول ماذا سيقول تاليهم، فتستمع لأخرهم فتقول ما ذا قال الذين سبقوه لحسن قوله وسمو مقصده. هذا ما استطعت اقتناصه من فوائد أدبية من هذه الزيارة الكريمة، ولعلي أعود في آخر هذه السلسلة فأتوسع في بعض مضامينها وأُمثل لبعض ما أشرت إليه منها.  

 

د. ظافر بن علي القرني

 

 

 

 

 

عدد زوار الموقع

جميع الحقوق محفوظة 1426 هـ