الملل من المألوف وطواعية اللغة
شعر العرضة الجنوبية :إنموذجًا (6)
تكلمنا في الحلقة الماضية عن بعض الملامح
الأدبية البارزة في زيارة صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي
العهد، النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ورئيس الحرس الوطني لمنطقة عسير. أما
الحلقة السابقة لتلك وهي التي ناقشنا فيها المستوى الأول من شعر العرضة أو ما
أسميناه بالشعر التلقائي فقد خرجت مضطربة في معظم فقراتها. لذا أُمثل هنا بمثالين
على الشعر التلقائي علّها تتضح الصورة قبل أن ننتقل لما بعده. فإذا قال الشاعر
الأول بادعًا:
الفلكْ ما يخونْ وكلّنا
في المدارْ
والنوائبْ لها في كلِ
يومٍ مزارْ
دامْ سيفْ القدرْ ماضي
على كلْ ماضي
كيفْ تضحكْ على
المشغولْ يا الشاغلِ
وقال الثاني رادًا:
حيّ من قولهْ الصادقْ
يقيلْ العثارْ
الوفي لا بدا شأن يثير
الغبار
الذي ما لنا فيما يقولْ
اعتراضِ
فالتجاربْ تجيْ من
عالمٍ عاقلِ
أو قال الأول، مثلاً، على وزن آخر:
يا الله يا عالمْ
الحاضرْ وماضينا
تجعلْ يا ربْ للعلياءْ
مرامينا
فالمسافاتْ بين القولْ
والفعلِ
كالمسافات بين الحيّ
والميْتِ
فيرد عليه الثاني، قائلاً:
صح ما قيل واختلت
ليالينا
واختلطْ منطقْ أولنا
بتالينا
الضميرْ انكفا ما عاد
يدفع لي
وانتهى العمر في غبني
ويا ليتي
نجد في هذين المثالين أن قوافي الرّد خلت من
الزخارف اللفظية التي تضيّق مجال اختيار القوافي أمام الشاعر. وعلى هذا، نستطيع
القول أن تفكير شاعر الرّد في هذا النمط من الشعر ينصب على المعنى المراد قوله مع
الالتزام بالحد الأدنى من أحرف القوافي. وعلى الرغم من سهولة شعر المحاورة
التلقائي واستيعابه لأغراض شعر العرضة واستخدامه اللغة بدون زخارف أو تلوين يشط
بها في كثير من الأحيان عن معناها، بالرغم من كل هذا، لم يقتنع الشعراء به درجة
قصوى تتم المحاورة في مدارها فسعوا إلى استحداث أساليب في شعر العرضة لم تكن
معروفة من قبل. نعم استخدام الجناس وغيره من المحسنات البديعية معروف في اللغة
العربية منذ القدم. ولا يعقل أن يكون الالتفات إليها حصل من المتأخرين فقط. ويعرف
الأدباء والمثقفون أدب ما يدعى بعصور الانحطاط –رغم الاختلاف
على هذا الاسم- التي وظفت فيه المحسنات البديعية بشكل طغى على اللغة نثرًا وشعرًا
وكاد يفقدهما قيمتيهما الأدبية والثقافية. ولنأخذ بعض الأمثلة على الجناس من كتاب
مطالعات في الشعر المملوكي والعثماني، للدكتور بكري شيخ أمين، 1972هـ). يقول
المؤلف، فمما ينسب إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي قوله:
يا ويح
قلبي من دواعي الهوى إن رحل الجيران عند الغروب
أتبعتهم
طرفي وقـد أزمـعـوا ودمـع عينيّ كفيض الغروب
بانـوا
وفيـهم طـفلة حـرةُ تفترّ عـن مثل أقاحي الغروب
فكلمة الغروب في البيت الأول تعني غروب الشمس،
وفي الثاني من الغرب المستخدم في نضح الماء من البئر، وفي الثالث تعني الوهاد
المنخفضة من الأرض. قلت، لا يظهر التكلف في مثل هذا القول كثيرًا، إنما الإكثار
منه هو المشكلة. والأمثلة كثيرة إنما نختصر منعًا للإطالة. ولقد تمادى بعض الشعراء
في بناء القصيدة المقفاة بلفظة واحدة، وعرف في ذلك كلمات معدودة كالغروب والهلال
والخال وعجوز وعين. فكلمة العجوز بلغت قصيدتها ستين بيتًا وقصيدة العين أكثر من
نصف ذلك. والذي نسج قصيدة العين قال في آخرها:
وقد ضاقت
قوافيها وركّت وذلك لالتزامي لفظ (عـين)
ولو لم
ألتزم هــذا لفاقت قصيد أديب أرض الجامـعَين
ولو استخدم صاحب القصيدة لفظة عين كما جاءت في
كلمة "الجامعين" الأخيرة لسهل عليه الأمر إلى حدٍ ما، لكن كلمة الجامعين
هي الكلمة الوحيدة الواردة في القصيدة كلها أما بقية القوافي فملتزمة بلفظ
"عين" لوحده وهذا عنت عجيب. ولم يكتف المتكلفون بهذا وهو كثير بل ذهبوا
إلى غيره، فبنوا قصائد حروفها كلها معجمة وأخرى كلها مهملة، أو حرف مهمل وآخر معجم
في كل بيت من بيوت القصيدة. وكتبوا القصائد بحيث يمكن تشكيلها في أنماطٍ هندسية
متنوعة. كما نظموا فيما نظموا قصائد تقرأ في الاتجاه المألوف فتكون مدحًا وتقرأ
معكوسة فتكون ذمًا. ونكتفي بمثال واحد مما أورده صاحب الكتاب لتتضح الرؤية:
حلموا فما
ساءت لهم شيمٌ سمحوا فما شحت لهم منن
سلموا فما
زلت لهم قدمٌ رشدوا فما ضلّت لهم سنن
فلو قرأتهما
كلمة كلمة من اليسار إلى اليمين، تجدهما ذمًا.
هذه أمثلة من الشعر العربي الفصيح الواضح فيه
الصنعة التي يلزمها التكلّف، ومن أراد الاستزادة مما تكلف فيه الشعراء في العصر
المملوكي والعثماني، فيرجع إلى مثل هذا الكتاب أو إلى غيره في موضوعه أو إلى
مؤلفات الشعراء في ذلك الزمن ليرى العجب مما صنعوه. والواقع أن الإنسان لا يطول
عجبه كثيرًا إذا ما اطّلع على باب الجناس في اللغة العربية ورأى ضروبه وأشكاله
وسعته. فهو ضرب من البديع يؤهل من يتتبعه أن يجد فيه عجائب وغرائب متعددة تختلف
نظرات النّاس تجاهها من قائل بأنها تكلف ومن قائل بأنها مهارة لا يجيدها إلا
متمرس. والواقع أنها مهارة بالنسبة لصاحبها يتمتع بها ويتفنن فيها ويروّح بها عن
نفسه، لكنها بالنسبة للأمة عبء ثقيل. والمهارة والتكلف مسألتان حساستان جدًا، فرب
قول تكلّف فيه قائله فوق طاقته، ظهر للقارئ سلسًا غير متكلف والعكس حاصل كذلك. ولا
أعتقد أن الجناس أقتصر توظيفه في العصور المتقدمة على الشعر العربي الفصيح، بل لا
بد من أنه غشي كل الشعر فصيحه وعاميه. لكن الذي يبدو أن عدم تدوين الشعر العامي
جعل الأمثلة شحيحة فيه. ولعل هذه النظرة تتضح عندما ننظر من زاوية أخرى غير
الجناس إلى ما تيسر لنا مما دوّن في الشعر العامي في المستقبل المنظور. أما الآن
فنعود إلى موضوع توظيف الجناس أو الشقر في شعر العرضة مبتدئين بأول مستوياته وهو
شعر الشقر العشوائي. نلتقي الأسبوع القادم، إن شاء الله.
د. ظافر بن
علي القرني