الملل من المألوف وطواعية اللغة

الملل من المألوف وطواعية اللغة:

شعر العرضة الجنوبية أنموذجًا (7)

 

قدمنا في الحلقة الماضية بقول موجز عن الجناس وغيره من المحسنات البديعية في الشعر ليعلم القارئ أن التفنن في اللغة ليس بحديث بل قديم قدمها. لكن عندما يطغى التصنع على الطبع يقع التكلف المعسور.  ولا شك أن مدار  التنافس بين الشعراء في ساحة العرضة الجنوبية اليوم اقرب الشبه في معظمه بما دار في تلك العصور من تنافس ومباهاة. ومهما تكن السلبيات، فطموح شعراء العرضة أبى عليهم إلا أن يقتحموا مجالاً جديدًا يبهج السامع ويشد انتباهه ويغيّر من المألوف في الشعر. وكأني  بهم يقولون إذا كان كل شيء يزحف نحو التخصص الدقيق بل نحو التعقيد المرهق، ألسنا الأجدر بتوليد التخصص من التخصص والتعقيد من التعقيد إذا رغب عصرنا في ذلك؟. إنّا نستطيع نحن الشعراء  أن نجعل " المعارف" طبقات بعضها فوق بعض والشعر أظهرها فينا بل هو السمة التي يراها مجتمعنا خاصة بنا. وصدقوا فيما يزعمون، فقد جاءت طائفة منهم  بفكرة الشقر ولم تقتصر على جمالية الشقر وجاذبيته بل جعلوا منه منطلقًا لما هو أبعد وأعمق. تتضح صورة ذلك عندما نأتي بالشرح على مستويات أو أنماط الشعر التي ذكرت فيما سبق. واليوم نعرض للنمط الأول منها  المسمى الشقر العشوائي وهو الأقرب مرتبة إلى الشعر التلقائي.

 

فنقول أن  شعر الشقر العشوائي هو النمط الذي لا يلتزم فيه شاعر البدع باختيار قوافٍ ذات نسق لفظي معين يجبر بموجبها شاعر الرّد على الالتزام بنسق محدد في ألفاظٍ قوافي ردّه.  ويمكن أن يعرف بأنه هو النمط الذي لا توحي فيه قوافي البدع بمعنى معين يجب الإتيان به في الرّد . وبهذا تترك الحرّية لشاعر الرّد في شقر قوافي البدع بما يتلائم  والمعنى الذي يريده . أي أن شقر القوافي في الرّد يظل عشوائيًا مع الميل إلى حفظ المعنى بقدر الإمكان. إذن مساحة تحرك الشاعر في اللغة أضيق من تلك التي في الشعر التلقائي لكنها تبقى كبيرة مقارنة بما يأتي بعده من أنماط أكثر تعقيدًا. ومن هنا وقع التقارب بينه وبين الشعر التلقائي. والأمثلة على هذا الصنف لا حصر لها إذ هو أكثر أصناف الشقر تداولاً اليوم. وعلى الرغم من كثرتها فأنه يصعب على الإنسان الاختيار مما يتداوله  النّاس اليوم منها لرداءة موضوعها أو لسوء اختيار كلماتها إلا فيما ندر. فأقول مجتهدًا:

 

قالْ ابو ماجدْ استعرضت بعضْ أشعارْ

ما وجدنا كلامًا يرفعْ المقدارْ

إلا للسوءْ كلّهْ يلّفتْ الأنظارْ

قلت باقولْ لي بيتين من تأليفي 

فعذرونا على قولٍ نولفهْ

 

لو جاء البدع هكذا بدون تكلّف، يمكن أن يكون الرّد كالتالي:

 

الذي عندهْ من الحقْ بعضْ إشعارْ

قالْ عندْ الإلهْ الرّبْ علمْ أقدارْ

وإن عملْ يحسنْ التعجيلْ والإنظارْ

وأنحنْ لو نأخذْ العاصينْ بالتأليفِ 

 نكسبْ النصرْ والعاصي نولفهْ

 

فعلى شاعر الرّد إلى جانب الاهتمام  بالمعنى- أن يشقر قوافي البدع التي هي: أشعار، المقدار، الأنظار، تأليفي، نولفه.  و الملاحظ أن هذه القوافي مختارة عشوائيًا فلا رابط يربطها من جهة الموضوع كما أنها في مجموعها لا تملي على شاعر الرّد نسقًا معينًا في قوافيه، فهو حرٌّ في اختيار الشقر وإلباسه المعنى المناسب. على هذا ممكن أن يأتي الرّد بغير ما ورد هنا، إذ لكل شاعر قدرته في تلفيق الشقر وتطويعه  للمعنى  المراد قوله. والشقر واضح في القوافي حيث أشعار (جمع شعر)  يقابلها إشعار (خبر أو علم) والمقدار (من القدر أو المكانة) يقابلها علم أقدار (علم ما كتب في الغيب) والأنظار (من النظر) يقابلها الإنظار  (التأجيل)  ومن تأليفي (من قولي) يقابلها باتأليفِ (من تأليف القلوب)، ومثلهما نولفه الأولى والثانية وتخفيف الهمزة فيهما لتسهيل النطق ببيتيهما من العرّاضة.  ولو أنني استبدلت بالثلاثة الأبيات الأخيرة من الرّد الثلاثة التالية:

………..

…………

ونحن لو نحسنْ التعجيلْ والإنظارْ

بإذنْ من يجعلْ المعمورةْ إتّالي فيّ

نكسبْ النّصر والعاصي نولفهْ

 

لو فعلت هذا، لوقع التكلّف، حيث أنني قلت هنا بإذن من يجعل المعمورة تأتي بالضياء مرةً ثمّ تتلوه بالظل (الفيء) مرةً أخرى على مدار الزّمن، بإذنه تعالى، نستطيع أن نكسب النصر وأن ونروض العاصي كيفما نشاء. إذن تخفيف التكلّف وارد مع التزام الشقر ويتأتى ذلك أكثر مع مرور الزمن لذي مراس ودربة.  

 

 وأضرب هنا مثالاً أخر من شعر الشعراء في زهران. فهذه قصيدة للشاعر صالح اللخمي ضمن محاورة بينه وبين ابن مصلح وأعتبر هذه القصيدة من مثبطات أحاسيس الفخر عند بن مصلح التي هي أحد ركائز شعره الجميل. فماذا يقول اللخمي في قصيدته، يقول:

 

صدر ذي عينْ فيه الموّزْ واللايمونْ

شيءٌ يُهدى وشيءٌ يُشترى بالفلوسْ

لو بتخطي ثمارهْ تاجرهْ ما توجدا

لا تهلْ الثّمرْ  يا جامعْ الأزهرِ

 

فيقول عبد الواحد الزهراني متممًا لقصيدة اللخمي:

 

يا سلامي على شخصٍ علينا يمونْ

ما يطيعْ الذليلْ ولا يطيعْ الفلوسْ

أما أنا ساعةْ أحضرْ عندهم واتوجدا

كنّي صلّيت وسطْ الجامعْ الأزهري

 

وذي عين الوارد في القصيدة موقع معروف، واللايمون هو الليمون إنما مدّت اللام ليستقيم اللحن، والفلوس في الرّد قد تكون من الإفلاس. ونقول هنا أن قصيدة عبد الواحد ليست ردًا على اللخمي بل هي متممة لقصيدة الرّد منهما على ابن مصلح والبيضاني. إي أنه إذا تقابل أربعة شعراء تصبح قصيدة الأثنين الأولين بطرفيها بدعًا وقصيدة الأخيرين بطرفيها رّدًا. وقد أوردت هذه القصيدة مثالاً على الشقر العشوائي رغم إيحائية بيت اللخمي الأخير منها الذي يقول فيه (لا تهلّ الثّمر ياجامعْ الأزهرِ).  وذلك لأن الأبيات الثلاثة التي قبله لا تُلزم في مجموعها أو منفردة شاعر الرّد بإيحائية معينة رغم قابلية كلماتها للشقر دون عناء.  بمعنى آخر أن قول الشاعر في بدعه  "يا جامع الأزهرِ" (أي يا جامع الزهر) تلزم من يرّد عليه أو من يتمّ قصيدته أن يأتي بالجامع الأزهر في مصر أما كلمة ما توجدا التي تعني  لم يجد شيئًا أو لم يتوفر على شيء  فيمكن أن تُشقر على أكثر من وجه. ولنا مع هذه القصيدة وقفة ثانية في المستقبل المنظور إن شاء الله.  ونختم هنا بالقول أن الاهتمام بالقوافي في هذا النمط من الشعر  يسبق الاهتمام بالرّد ويبقى على الشاعر التفنن في حشو ما قبلها بما يناسب المعنى وهنا تتفاوت القدرات من شاعر لآخر.   ونكمل الحديث في الأسبوع القادم، بإذن الله.

 

د. ظافر بن علي القرني

 

 

عدد زوار الموقع

جميع الحقوق محفوظة 1426 هـ