الملل من
المألوف وطواعية اللغة
شعر العرضة الجنوبية: أنموذجًا (8)
عرفنا في الحلقة السابقة شعر الشقر العشوائي
وضربنا عليه مثالين موضحين بهما بعض جوانبه. واليوم نزيد ببعض الأمثلة ثمّ نتلمس
أثر هذا النمط من الشعر على الشعر والشاعر واللغة والجمهور كما هو المعتاد في هذه
السلسلة. وسنكتفي في بعض الأمثلة بإيراد البدع دون الرّد حيث أن النظر في قوافي
البدع يوفي بالغرض المطلوب من حيث معرفة هل هي عشوائية الاختيار أم لا. يقول
الشاعر مفلح بن مثاعي المعاوي مخاطبًا زميله الشاعر محمد بن ظافر الشمراني:
يا ابنْ ظافرْ تبينْ لي وردّْ النظرْ
حنْ معازيبْ والضيفانْ منّا يبونْ
ابدْ بالأولةْ يومكْ راعي الأولةْ
ولاّ فانْ المعاوي يمنْ التاليةْ
أمنْ الريعْ الأقصى وأمنْ الريعْ الأدنى
والعدودْ الطويلة ما منعْ شربها
فقوافي القصيدة هنا لا تقترح على الشاعر
المقابل شقرًا بعينه كما أنها لا توحي له بمعنى معين يتحتم عليه إيراده أو
اختياره على ما سواه، بل الحرية مطلقة لشاعر الرّد لأن يوظف ردّه كما شاء شريطة أن
يشقر قوافي قصيدة صاحبه، وأن يراعي المعنى بطبيعة الحال. فماذا قال الشاعر بن ظافر
في ردّه.
كمْ قريبٍ نسرْ وكمْ بعيدٍ نُضرْ
والجمالْ أصرفت للشر من نايبون
ما تشوقتْ له يوم أكرعْ الأولةْ
حدْ ساقهْ على المشراف بتّاليةْ
وانظر السيف الأملح من على الريع لادنى
وخذ عُشر المثايل يومْ نعشر بها
و(نضر) هنا تعني نصيبه بضرر، و(نايبون) تحوير
لكلمة نيبان جمع ناب، و(يوم أكرع الأولة) من كرع أي ويوم شربها أو تناولها
والمقصود يوم أتى بها، و(بتّالية) يعني مستمر، ولادنى ممكن أن تعني إذا دنى من على
الجبل أو تكون (لدنا) من اللدونة فلا بد من سماعها من الشاعر حتى يستبان هدفه،
و(يوم نعشر بها) أي يوم نؤدي زكاتها أو يوم نتصدق منها أو نحوهما. ويلاحظ إجادة
الشاعر الشمراني في شقر قافية البيت الثالث من القصيدة، يرفده في ذلك معرفته
بمفردات اللغة العربية. ولعلنا نعود إلى مثل هذا النوع من التراكيب في حلقة قادمة.
ومثال آخر، نورد بدعه فقط، وهو قول الشاعر سعيد
بن هضبان الحارثي:
في محلْ الشرفْ والنّاموسْ
آل مساعدْ مرسىً وروسْ
يا شعاعيرْ حمي الوطيسْ
قولوا الله يلعنْ بليسْ
خمسةٍ كلْ واحدْ لحاله
والجملْ حمله أكبرْ منّه
يشير الشاعر في هذه القصيدة -التي تولىّ ردها
بنفسه- إلى أن التفاهم أو التعاون بين الشعراء الخمسة مفقود، وأن القصائد التي
يأتون بها طويلة مرهقة لهم. وكما هو واضح أن قوافي هذه القصيدة تلقائية الطابع
عشوائية الاختيار، إذ لم يجهد الشاعر نفسه في اختيارها بل ساقها كما جاءت إليه مع
التزامه بالشقر في قوافي الرّد. فهذا دليل آخر على الشقر العشوائي.
ومن الواضح أن هذا النوع من الشعر زاد في
التعقيد بدرجة على الشعر التلقائي حيث لزم الشعراء فيه ما لا يلزم لهم. لكن برغم
هذا، لا زالت لديهم مساحة معقولة من حرية توظيف اللغة فيما يخدم الهدف المنشود
تتضح هذه المساحة عندما نتكلم عن الأنواع التالية من الشعر في القابل القريب إن
شاء الله تعالى. أما عن أثره على الشعر، فلا يستطيع منصف أن يقول أنه لم يضع من
معنى الشعر وقيمته، بوجهٍ عام. فبالرغم من الجمال اللفظي الذي يخلب الألباب ومن
الانبهار الذي يصيب السامع للوهلة الأولى إلا أنه كالسحر الذي ما يلبث المسحور أن
يعاني من عواقبه ويود أن يتحرر منه. غير أن من الواضح أن هذا النمط من الشعر أضاف
بعدًا أخر أو عبءًا ثانيًا إلى المعنى في الشعر ألا وهو الاهتمام بالتلوين اللفظي
وبمظهر القصيدة الخارجي. فكأن مبتكر هذا النمط من الشعر يريد به توسيع دائرة
الاهتمام في المحاورة وزيادة المسئولية أمام الشعراء لتكون درجات التفاوت بين
القدرات واضحة. ومن أثره على الشعر أيضًا أنه يطيل نَفَس المحاورة إلى الضعف
تمامًا حيث تستخدم الكلمة الواحدة في القافية مرتين.
ولطغيان شعر الشقر العشوائي أثره المباشر على
الشاعر حيث ابتعد كثير ممن يجيد الشعر التلقائي عن الساحة وتركوها إلى غير رجعة. أما
من بقي في الساحة من الشعراء فخضع لمؤثرات هذا الشعر وإغرائه فمنهم من برز فيه
ومنهم من يسد في الحفل إن لم يحضر غيره ومنهم دون ذلك. إذن، بغض النظر عن كيفية
انتشار هذا النوع من الشعر وعن قيمته، يستطيع المشاهد أن يقول أن شعر الشقر أعاد
ترتيب الساحة الشعرية في العرضة فخدم أناسًا وأضر بآخرين.
وما يصيب الشعر يصيب اللغة فهو منها، وما يصيب
اللغة يصيب أهلها فهم حملتها. ولو أن الشعراء اقتصروا على ما يمكن شقره في اللغة،
وهو كثير، لكان الأمر أهون، لكنهم توسعوا كثيرًا في مدلول الكلمات لغرض الإيفاء
بشرط الشقر، فقاد هذا التوسع إلى مدّ ما لا يقبل المدّ في حقه من الكلمات وإلى ضغط
ما يستقبح الضغط في حقه منها. ويظهر التعسف والحشو في الشعر كثيرًا إلا لدى قلة من
الشعراء استطاعت المحافظة على مستوى مقبول بين الصنع والتصنع. أما عن أثره على
الجمهور فما لبث هذا الشعر أن جعل الجمهور مشاركًا للشاعر في صنعته، فهو ينتظر منه
شقرًا أصبح معلومًا سلفًا من كثرة الترداد، فإن لم يأت به عيب عليه قوله. وأكتفي
بهذا القدر من العيوب على أنني سأتوسع فيها قليلاً في آخر الحلقات وأقابلها ببعض
المحاسن التي لا يجب غمطها، هذا وبالله التوفيق.
د. ظافر بن علي القرني
تمديد نفس المحاورة حيث القافية الواحدة تستخدم
مرتين بدلاً من مرّة واحدة.
انتقل مجال التنافس من التركيز على المعنى فقط
إلى التركيز على الشقر والمعنى لدى الشعراء المتميزين وعلى الشقر ثمّ المعنى لدى
من سواهم. ومن هنا زادت المسئولية فزاد التخلي عنها. وهذه خسارة في جانب الشعر
وكبت لقدرات الشعراء وتضييق لنطاق المحاورة وسعي إلى التخصص.
حلقة عن الخلط بين العشوائي والإيحائي وأن هذا يحصل كثيرًا
الترقي في سلم الشقر يتعارض مع السرعة في
المحاورة ومع كثرة عدد الأبيات.أي أن من لا يستطيع الرقي إلى أعلا مراتبه عوض عن
ذلك بسرعة أدائه وكثرة أبياته.
قبل أن أوضح أثر الشقر على الشاعر والشعر واللغة
والجمهور أود أن أشير إلى أن ظاهرة شقر الشعر في العرّضة قديمة لا أعلم لها بداية
معينة لكنها تختلف من قبيلة لأخرى ومن حاضرة لبادية ومن زمن إلى زمن. فهي ظاهرة
مبثوثة في قبائل المنطقة بدليل ما تتوارثه الأجيال من أقوال رموز الشعر فيها في
الماضي. لكنها لم تكن متجذرة في كل الأماكن بنفس العمق اليوم. فتجد بادية بلقرن
مثلاً وهي تزخر بالشعراء ما كانت تعير هذا اللون إنتباهًا قبل ما يزيد عن عقدين من
الزمن بقليل. أما الآن فمن لا يجيده منهم فلا مجال له بين الشعراء البتة. بعد هذا
الإيضاح،