الملل من المألوف وطواعية اللغة

الملل من المألوف وطواعية اللغة

شعر العرضة الجنوبية أنموذجًا (9)

 

على الرغم من الإضافة التي جاء بها الشقر العشوائي إلى الشعر من ناحية الصعوبة التي ينشدها الشعراء ، فإنهم لم يكتفوا بها ولم يتوقفوا عندها بل طمحوا فيما وراءها من مستوى أكثر رقيًا في الصنعة والتعقيد. فعمدوا إلى ما أسميه شعر الشقر الإيحائي. فما معناه وما مستوياته؟. معنى الشقر الإيحائي هو أن يعمد شاعر البدع إلى نظم قصيدته واضعًا نصب عينيه صيغة لفظية معينة يتحتم على شاعر الرّد الآتيان بها. فشاعر البدع يلعب دوراً مهما في نوعية ردّ الشاعر المقابل حيث يوجهه إليه بطريقة غير مباشرة. فهو إذن ينجز بدعه ويخطط لرد صاحبه معه. والشقر الإيحائي يمكن أن يقسم إلى مستويين قد يكون التمييز بينهما صعبًا،  فكثير من الشعراء لا يراهما ولا يلتفت إليهما وإنما هما يظهران ويغيبان في الشعر حسب مقدرة الشاعر ومهارته، غير أنهما يبرزان للمتبصر في الشعر من ناحية نقدية ويتميز بأصعبهما  المجيد في التكلف من الشعراء.  وهذان  المستويان هما:

 

1)     شعر الشقر الإيحائي الناقص، ويأتي على أحد وجهين:

 أ.  مؤتلف الرَّد، 

ب.  مؤتلف البدع

2)      شعر الشقر الإيحائي التام (ذي البدع والرّد المؤتلفين )

 

فإلى تفصيل القول في النمط الأول من الشقر الإيحائي مبتدئين بذي الرّد المؤتلف منه. لقد قدمت هذا النمط على غيره لأن البدع فيه لا يكاد يحمل أي معنى يذكر. وعلى هذا فعمله ينحصر غالبًا في رسم معالم الرّد بطريقة إيحائية أو فلنقل في تيسير البناء أمام شاعر الرّد أو أمام الرّد ليحمل المعنى المناسب المراد قوله. ولنأخذ على ذلك مثلاً. يقول الشاعر في بدعه:

 

من يساوي سميكْ القيدْ في النّاسْ بالرجلْ العتيقْ

هذا حرُ على المبدا وهذا بدربْ الحنثْ لاثهْ

حجتهْ ما درى عنها و لا عادْ يتولى لها

وأنتْ يا المطلقْ اللي جاءْ لكفكْ بذيك البيت لقصا

لا تطيع الذي بيقول فليتصبر وليهود

كانْ ما تعكسْ الحجةْ وتعميْ سبيلْ النتن يا هو

ليت ساعدكْ ساعدْ بنتْ وان السواد اشنب مره

 

الرّد

قالْ بو ماجدْ أرضْ القدسْ عندي كما البيتْ العتيقْ

وش تقولونْ يا اهلْ العرفْ والدينْ في ثالثْ ثلاثةْ

رغم هون المسافةْ ما تشدْ الرحالْ إلا لها

بيت مكةْ وبيتْ بالمدينةْ وذيك البيتْ الأقصى

اللي أضحى بلمحةْ عينْ بيدْ النصارى واليهودْ

كلهم وكلوا في نكبةْ القدسْ ذيك النتن ياهو

كلبْ كانْ يتغذى من فتاتْ العربْ وش نمرهْ

 

فالبدع هنا وضع  من أجل الرّد، وهو وإن حمل معنى في ذاته، فغرضه الأساس هو رسم الطريق أمام المعنى الكامن في الرّد. وعلى الرغم من تماسك البدع في هذه القصيدة إلا إنه عشوائي النسق إذ يفقد تماسكه بعد معرفة غرضه.، بل يمكن لبدع غيره أن يؤدي الغرض نفسه. ويمكن تصور البدع هنا بمثابة أساس البيت الذي لا يقوم إلا به لكنه يغيب عن العين بعد عمرانه وتمامه. 

 

ومثال آخر قول الشاعر محمد بن مصلح الزهراني في قصيدة قديمة أظن أنها أربعة أبيات لا ثلاثة:

 

ودي أسافرْ للنّدنْ ولبناني

وبعدْ أركبْ على البابورْ واشباحهْ

لا يجي لي بدربْ الجوْ دماريةْ

 

فقال الغويد الغامدي رادًا عليه:

 

حي ذا سورهمْ ما هو بلبناني

والكرم عندهمْ ما قلتْ وش باحه

وآي لي في بيوت الجود مارية

 

فبنظرة سريعة إلى قوافي البدع يتضح هدف ابن مصلح منه. فقوله لبناني، واشباحه أي أخشابه، والجو دمارية أي حادث مدمّر في الجو، توحي للغويد بما يتوجب عليه قوله في الرّد. من أجل ذلك جاء الغويد بكلمة لبناني من اللبن الذي تبنى منه الجدران، وكلمة وش باحه أي ما الذي أنهاه أو أفناه، والجود مارية أي علامة تدل على بيوت الكرم. إذن ابن مصلح يعلم تمامًا ما يجب على الغويد قوله في رده عليه، ولذلك أوحى بمعنى معين إلى الغويد من خلال قوافي البدع التي هي(لبناني، واشباحه و الجو  دمارية). ومن هنا تتضح الزيادة في التعنت وفي الالتزام من قبل الشعراء بأمور هم في مندوحة عنها. لكنها مهارة لا يمكن إنكارها أو الاستهانة بها. والحديث متّصل.

 

د. ظافر بن علي القرني

 

 

عدد زوار الموقع

جميع الحقوق محفوظة 1426 هـ