أي قرون وسطى نُنَاطح بها ؟!
الأستاذ الدكتور حمزة المزيني من الكتاب المبدعين والمتخصصين
المتتميزين الذين تستفيد من أرائهم وطروحاتهم وإن خالفت بعضها لشططه وغلوه. ولا
مجال هنا لسرد بعض الفوائد، ولا لمناقشة بعض الملاحظات فنكتفي بما تيسَّر من
الأخيرة تعقيبًا على مقاله ذي العنوان الكارثي الغريب – هل نحن في العصور الوسطى- المنشور
في الوطن يوم الخميس 8/4/1425هـ. وأنا أربأ بالدكتور الكريم أن يكون ممن يعمد إلى
تضليل أبناء الأمة ومسخ هويتهم. فمسمى أو مصطلح "القرون الوسطى" التى ذكر
أنَّها تمتد من القرن الخامس الميلادي إلى القرن الخامس عشر هو واحد من الأسماء أو
المصطلحات التضليلية الكثيرة التي عانينا ومازلنا نعاني من آثارها وسنظل نعاني إلى
ما شاء الله. وأنا أقبل هذا العنوان وما تبعه من تفسير له، وقبول به، من كاتب
أوروبي أو أو أمريكي أمَّا من مسلم نعرف خلقه وثباته فلا. ولا ينبغي لأي عاقل أن يُسلِّم
بأن العالم كله كان في ظلام دامس فيما يسمى بالقرون الوسطى، بل لا ينبغي لكل منصف
أن يأتي على ذكر هذه العصور دون أن يذكر الحدث العظيم الذي به تغيَّر وجه الأرض من
الفساد إلى الصلاح، ومن الظلام إلى النُّور، وبه أحيا الله العالم بعد موته كما
شهدت بذلك أمم الأرض ومنها أوروبا وهي أكثر إنصافًا من كثيرٍ منَّا. وسيقول
الدكتور أنا لم أقل أن العالم كله كان يعيش في ظلام. فنقول له: إغفالك الحقيقة
المقابلة لما ركَّزت عليه لا يعني غير ذلك، سواء قصدت أم لم تقصد، فالعالم كله
يشهد أنه في بداية هذه العصور الوسطى كانت بعثة الرّسول الكريم محمد بن عبدالله عليه
أفضل الصلاة وأتم التَّسليم، فإذا كانت أروربا في ظلام وضياع تامين، فلا ينبغي لها
أن ترى العالم كله بعين الظلام والضياع، فغيرها كان على أبواب نور وفلاح ورشاد،
وسيصل هذا النور والفلاح والرَّشاد إليها بإذن الله، وقد وصل. فعنوان المقال لهذه
الأسباب ولغيرها مما لا سعة له هنا غير موفق وتعيس.
ثمَّ أقول مختصرًا كان الأولى أن تكون المقارنة بين حالنا اليوم
وحالنا في قروننا الوسطى لا قرونهم هم حتى نستخلص العبر، ونصحح الأخطاء، ونقوِّم المسيرة
ونقويها، أما أن نقارن حالنا بحال من ساءت تصوراتهم، وعابت أخلاقهم آنذاك واليوم
فلا جدوى من ذلك. ولا تغرَّنَّ أحدًا النَّهضة الصناعية الظاهرة فوراءها من
الدَّمار الأخلاقي والتَّربوي ما وراءها وإن تجاهلنا ذلك. ثمَّ إن المقارنة بين من
يدعو إلى إفراد الله بالعبادة ومن يدعو إلى عبادة المسيح عليه السلام، وإن تماثلت بعض
الظروف أو المظاهر، ظلم كظلم عنوان هذه المقالة الغامض. فلا ينبغي على المفكر أن يغفل
الأهداف المرجوَّة ويركِّز على المظاهر التي قد تخدع شباب الأمة، لأن في إغفالها
تضليلاً عظيمًا أُجِلُّ المعلم الفاضل الدكتور حمزة المزيني عنه.
ومن الزَّلات الخطيرة المماثلة لما سبق قول الدكتور: "وإدخال
الدين في كلِّ شيء تقريبًا". ونحن إن لم ندخل الدين في كل شيء ضعنا لأن عملنا
عبادة لله، والعبادة لا تقوم إلا بالدين - الدين الإسلامي القويم المبيَّن في
الكتاب والسنة. وعدم إدخالنا الدين في كل شيء يعني السعي إلى فصل الدين عن الحياة ليكون
الضياع التَّام الذي لا فلاح بعده. وهل يتفضل الدكتور فيضرب لنا مثالاً على شيء لا
ينبغي أن يهيمن عليه الدين؟
ثمَّ هل مصيبة الموت ويوم القيامة من الأمور السهلة التي يمكن
تهوينها والتقليل من شأنها؟ هل يستطيع الدكتور الفاضل أن يهدينا إلى سبلٍ - غير سبيل
الدين الحنيف - تجعلنا لا نخاف من الموت أو تقلل خوفنا منه، ولا نهاب من يوم
القيامة أو تقلل تهيبنا منه؟ إنَّه لو فعل ذلك يكون قد أتى بشيء لم يسبقه به أحد
من لدن آدم عليه السَّلام إلى اليوم. ولكني أتفق معه في عدم إثقال الشباب والأطفال
بمعلومات تفوق عقولهم حتى لا تقع الإعاقة وهذا ما نبَّه إليه في عدد من مقالاته
التي استفدت من بعض ما جاء فيها. أما مقاله الأخير هذا فلم يكن موفقا. أرجو لنا
وله التوفيق وصلاح النية والعمل.
أ. د. ظافر بن علي القرني
أستاذ الهندسة المساحية، جامعة الملك سعود.
هذا
المقال اختصرته جريدة الوطن
السعودية وغيرت عنوانه ونشرته ردًا على مقال الأستاذ الدكتور حمزة.