Are You suprised ?

 

 

تعقيب على مكاشفات الدكتور خالص جلبي

في الرِّسالة (جريدة المدينة)

 

يكتب الدكتور خالص جلبي، تارةً، فيجلب لقرائه مقالاً يزخر بكمٍ كبير من المعلومات التي تكاد تكون خالصة من كل شائبة. ويكتب تارةً أخرى فيأتي بمقال خليطٍ من العلم النافع وغير النافع أو قل الضار الذي لا تستطيع تقبله مهما قلَّبته ونظرت فيه. فتشكره في الأولى وتحتفظ بما قرأت، وتدعو له بالسداد في الثانية ولا تبالي أاحتفظت به أم لا، بل ترى لزامًا عليك أن ترد على بعض القضايا التي يثيرها لتبيان الحق الذي تراه. والحال الأخيرة ظهرت جلياً في مكاشفاته التي نشرت في ثلاثة أعداد من ملحق الرسالة – جريدة المدينة (الجمعة 26/8/1423هـ) وما بعده . لقد أطلعت على هذه المكاشفات فلمست فيها محاولة الدكتور أن يقول الحقيقة كما هي وأن يعبر عن القضايا كما تبدو له من وجهة نظره. فتجده يقول أن والده لم يركع لله ركعة، وإن أمه لا تعرف العربية وهي عازفة عود من طراز جيد وهذا ما جذبه نحو الموسيقى فهو يجمع في بيته كل أنواع الموسيقى العالمية تقريبًا. وذكر أن بيئته الأولى تحوي كل الأديان والمذاهب والطوائف وغير ذلك مما صرح به بكل صدق. ولا يملك المرء إلا أن يحمد الله على أن يخرج رجل من بيئة كهذه يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا  عبده ورسوله.  وهذا يدل -بعد توفيق الله - على ذكاء الدكتور وفطنته وفقه الله. لكني عجبت لإنكاره أن يكون لهذه البيئة أثر في تكوينه. ونحن بلا شك نتفق معه في قليل مما قاله ونختلف معه بل ننكر كثيرٍ مما ذهب إليه. وسأتناول في تعقيبي هذا أربع قضايا وردت في مكاشفاته، هي: قضية السلام كما يتخيله، وقضية التوحيد وكونه مسالة سياسية أو فكرة أختارها الرسول صلى الله عليه وسلم ليخاطب بها العالم من زاوية سياسية، وقضية نحن والغرب أخلاقًا وتقدمًا وتأخرًا، وقضية تهويل التقنية والتعويل على علوم العصر. 

 

قضية السلام المتخيَّل

لقد خرج علينا الدكتور خاص بدعوى لم نجد لها أثرًا فيما درسناه من كتب، أولها القرآن، وما شاهدناه من واقع وما تلمسناه في تاريخ من مضى من الأمم. هذه الدعوى تقول أن هناك سلامًا ليس كمثله سلام ،لم يتحقق على الأرض فيمن سبق وإنه لمتحقق في اللاحقين على اختلاف مشاربهم. فهو كثيرًا ما يردد أن الناس على الأرض اليوم هم قوم طعن وقتل وإذا رقوا بأنفسهم حضاريًا وثقافيًا أصبحوا قوم سلم وأمن. يقول "أعرف اليوم أن السلام كوكب قائم بذاته والله يهدي إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى سراط مستقيم". وهذا كلام ما فيه من الجمال إلا لفظه، أما حدوث مقتضاه فمتعذر. فالأمن والسلام هما أمنية كل راشدٍ عاقل من الناس . ولكن هل يضمن الدكتور الكريم رشاد وتعقُّل كل من على الأرض، وكيف يسوّغ لنفسه تصور رشاد سكان الأرض في المستقبل مع أن هذا لم يتحقق فيما مضى من أجيال عبر الأزمنة الغابرة وهي بلا شك أطول أمدًا مما بقي. ولو سلمنا بما يتصوره، لشرعنا في البحث عن تفسيرٍ متعسفٍ لكثيرٍ من الآيات والأحاديث الثابتة التي يعارضها قوله، ولربما تجرأنا فحصرناها في زمن النبوة، أو ازددنا جرأة فعطلناها تمامًا والعياذ بالله.

 

والدكتور له أراء في هذا المضمار شاطحة ناطحة فلقد قرأت له في مقالة أظنها في هذه الرسالة قوله بما مفهومه: إذا أقبل عليك عدو كاسر يريد أن يقضي عليك فلا تقاومه، فتعد مجرمًا مثله لكن استسلم له فإن قتلك تحقق في حقه الإجرام وسلمت أنت من هذه الصفة المقيتة، ولعله بعد موتك أن يشعر بالذنب  أو تأنيب الضمير فيتوب من غيه. ولقد جادله أيضًا صاحب الرسالة كثيرًا حول هذه القضية ولم يصل معه إلى مقال معقول. أي شيءٍ من قرآنٍ أو سنة أو حتى  عرف أو شرعة سابقة يؤيد ما ينصح به.وحادثة ابني آدم التي يستدل بها كثيرًا وقعت بين رجلين أخوين وليست بين أمتين أو جيشين عرمرمين يرى كل منهما أنه على حق وأنه منصور وعدوه مغلوب مقهور. وهو يدعو في مقالاته ومكاشفاته إلى التخلي عن القوة من جانب واحد لنشر السلام في الأرض. يقصد أن نعلن للناس أننا لن نحاربهم مهما اعتدوا علينا، بل إننا إمعانًا منا بالالتزام بهذا المبدأ لا نملك ولا نفكر أن نملك أي نوع من أنواع القوة للدفاع به عن النفس سوى قوة الاحتجاج والامتعاض والتكشـير في الخفاء بحسب الحاجة. بمثل هذا التصرف تنعم الأرض، من وجهة نظره، بالسلام والحضارة المرجوة. وهذا منطق معوّج لو جاء به من لم يبلغ الرشد لما قُبل منه، فكيف بمن يقول عن نفسه أنه مفكر إسلامي يريد الخير للبشرية جمعاء.

 

إنني أخشى أن يتطوّر هذه المفهوم لدى الدكتور خالص فيقول لا مانع من أن نجند للجند الغازي بقدره من العازفين. فلو أقبل مليون جندي نقابلهم بمليون عازف. فلعل هذا العزف أن يسري عبر الأثير إلى قلوب هؤلاء الغزاة الطغاة فتلين وتخشع لصلصلة أعوادنا. ولا تثريب علينا في هذا، لأن أسوء ما يحدث لجيشنا العازف المجاهد أن تُكسر أعواده على رؤوسه، فيموت كل جنديٍ منهم شهيدًا تحت ظلال عوده.

 

وماذا لو قالت لنا الدول المتقدمة تقنيًا أخرجوا من أوطانكم أو قتلناكم، هل نوافقهم؟ وماذا لو قالوا تخلوا عن الموسيقى ولا تستمعوا لها أبدًا، إمعانًا منهم في التنكيل بنا، هل يرى الدكتور أن نوافقهم لتحقيق السلام، أم نتمرد عليهم دفاعًا عن الحرية. أيها الدكتور الفاضل إن المسلم الحق لا يطمع في قتل الناس وما خلق لقتلهم، ولا يجوز له ذلك بل هو يسعى لهدايتهم، ويتمنى من كل قلبه لكل إنسان الخير والرشاد. ولكنه أيضًا لا يكون مغفلاً ويظن أنه بمنأى عن كيد الأشرار والأرض مملوءة بهم. والمسلم لا يتوانى ولا يذل في الدفاع عن دينه ونفسه وما في حكمهما مما هو معلوم. 

 

ولقد أصبنا في زماننا هذا بمعضلة تمييع المصطلحات التي لا خلاف عليها بين المسلمين. فالله سبحانه وتعالي يقول"وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم". فتسأل العالم المتبحر في العلم ما المقصود بالقوة، فيقول القوة في كل شيء في الاقتصاد والتجارة والصناعة وفي الأدب والشعر، والثقافة وغير ذلك. وتعود إلى الرسول الكريم محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام، فتجده يقول: "ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي". ثمَّ تنظر لحال الأمم المهزومة اليوم فتجد أنه لا يهلكها شيء كالرمي فهو يأتي من البحر إن رصدت له البر، ويأتي من البر إن رصدت له البحر، ويتساقط عليها من الفضاء الخارجي فيحيل القصور الشاهقة رمادًا سُختًا كأن لم تغن بالأمس. وما أصيب به مفهوم القوة من تشويش يصاب به مفهوم الجهاد والعبادة والصلاة على يدي الدكتور الكريم وغيرها من المفاهيم كالمدافعة والولاء على يد غيره. والمشكلة أن الكلام الذي يأتي به بعض هؤلاء جميل ولا ينكر، ولكن ما يوردونه شؤون لاحقة تستقيم وتعمر إذا استقام وعمر الشأن الأهم أو حدد الهدف الأسمى. فلا شك أن الرمي، مثلاً، يحتاج إلى جند ذوي بنية قوية، والبنية القوية لا تأتي إلا باقتصاد قوي، والاقتصاد القوي لا يكون إلا في أمةٍ مثقفة، وإذا ازدهرت الثقافة ازدهر الشعر فهو منها وهي منه وهكذا.  لكن أن نقول إننا بحاجة إلى اقتصاد قوي لنبني جندًا قويًا، وليس من أهدافنا أن نعلمه الرمي ولا صناعة الرمي، بل لم نحدد الهدف من بناء هذا الجند، فهذا عبث وضياع. 

 

ومثل الدكتور في دعوته للسلام "النائم" كمن يدعو الفقير إلى عدم طلب الغنى، فلعله بفعله هذا يستدر عطف الغني فيغدق عليه الأموال، فيتحسن حاله دونما عناء. وبهذا يكون حسس الغني بالمشاركة والتعوّد على البذل والتخلص من قسوة القلب جراء الغنى المفرط، وصنع توازنًا بينه وبين الغني بأجمل السبل. 

 

أما احتجاج الدكتور بآية "لا إكراه في الدين... "، فمفهوم من الآية أن هذا الدين معرَّف وأنه دين قائم عامر، وأنه تبين به الرشد من الغي. لكن طريقة استدلال الدكتور بها لا تهدينا إلى هذا الفهم ولا إلى هذا التمايز. فهو يريد قبل أن يقيم الدين الحق أن يقول لا إكراه في الدين. ولو أن الأمر كما يراه أو يريده، لاكتفى محمد صلى الله عليه وسلم بهذه المفهوم من اليوم الأول للدعوة وأقر كلاًّ على ما هو عليه وركَّز سعيه في جعل العلاقات الاجتماعية بين الناس متوائمة. بل لو أن الأمر كما يراه الدكتور ويريده لما لزم إرسال الرسل إلى الناس لهدايتهم من الأصل. إن الشيء الذي نفهمه جيدًا أنه لم يرد في دعوة الرسل ما يؤيد هذا الأسلوب الانبطاحي الذي يدعو إليه. كيف يدعونا إلى الانبطاح لعل الخصم أن يخجل من انبطاحنا فينبطح مثلنا. هل حصل مثل هذا الانبطاح على مر التأريخ الذي يقرؤه الدكتور ويقلب صفحاته. إن الأنبياء هم الأجدر بهداية الناس وإرشادهم، فهل دعا أحد منهم إلى مثل ما يدعو إليه (قل هاتوا برهانكم).

 

ثمَّ هو يقول: "إن الرسول لم يقتل إلا عددًا محددًا من الناس اضطرته لذلك الضرورة ووحد الجزيرة العربية في ذلك الظرف الحرج بأقل عدد من الخسائر البشرية لم يتجاوز ألفي رجل مثلاً". وهو يعلم أن المعارك التي خاضها الرسول الكريم وصبحه من بعده لم تكن معارك هوى ولا حب زعامة دنيوية بل هي لحماية هذا الدين ولجعله منهجًا للناس. ولذلك دخل هو وصحبه معارك حاسمة أما أن يكون الدين بعدها أو لا يكون. ومسألة كم قتل وكم لم يقتل لا قياس بها مطلقًا، إنما العبرة بمن اندحر ومن انتصر. وكلنا يعلم كيف كان يدعو الرسول على أعدائه في غزواته، ونعلم الظرف الحرج الذي مر به هو وصحبه في معركة أحد ولو رأوا للنصر سببًا لم يتركوه مخافة أن يرتفع عدد القتلى في المشركين. كذلك كان موقف خالد بن الوليد في معركة اليمامة (في حروب الردة). أتراه يعزف عن سحق مسيلمة ومن معه في أول المعركة لو ملك السلاح. ومثلها معركة مؤتة. الذي يبدو أن الدكتور خالص مولع بالتأريخ لكنه لا يعرف أو لا يريد أن يعرف كيف يقرأ التأريخ الإسلامي مع الأسف.  

 

وهل فكَّر الدكتور في هذه الآلة الحربية التي طورها الغرب وأصبحت تديره ويديرها، وتنتج كمًا هائلاً من الأسلحة التي بُذل في صناعتها فكرٌ ومالٌ لا يمكن أن يذهبا سدى. أترى أهلها يتخلون عنها بدعوى نشر السلام في الأرض وهم يرون أنها هي التي تحقق لهم السلام كما يريدونه.  إن الدكتور بدعوته هذه لا يرضى أن تبقى الأمة نائمةً كما هي منذ قرون بل يريدها مخدرة بمادة أكثر تأثيرًا من النوم كما يفعل مع مرضاه في المستشفى – ولا يغير النتيجة علمه أو عدمه بما يفعل. وبهذا يتحقق عدم نهضة هذه الأمة إلى الأبد، لأنها إن دفعت عنها غلبة النوم ما دفعت عنها سيطرة المخدر. وإذا كان الدكتور يحلم بكرة أرضية هادية مطمئنة فأين يهب المجرمين، والظالمين، والفاسقين، والطاغين، والكافرين، والمنافقين، والمتكبرين، والمشركين، والقرية الظالمي أهلها، وأكابر مجرميها وغير هؤلاء ممن يجدهم فيما يحفظه من علم. وما هي التقنية التي يستطيع أن يتلافى بها لباس الجوع والخوف، ويدفع بها الظلم عن نفسه، ليوظفها بدلاً من  (وسرابيل تقيكم بأسكم). هل يرى الدكتور أن هذه الفئات من الناس مقتصرة على العصور القديمة (عصور التخلف) وإن العصور القادمة ستكون خلوًا منهم، أم يعتقد أنه سيتركنا نصادم هؤلاء ويرحل هو وركب السلام أو هو والمثقفين إلى المجرة -كما أشار في مكاشفاته - فينعم بخيراتها وثرواتها الهائلة. نسأل الله التوفيق والهداية.

 

لو إن السلام الذي يتخيله سيعم الأرض، لكانت فترات الأنبياء والرسل هي الأجدر به زمانًا ومكانًا وخَلقًا. فهل تحقق ذلك بالصورة التي يتخيلها لأيٍ منهم عليهم السلام. الحق  أنهم عانوا وكابدوا وجاهدوا وقاتلوا – ومنهم من قُتل-  وصبروا وأوذوا ولاقوا أصنافًا من العذاب والقهر الذي لاشك أن الدكتور يعرفه تمامًا. ثمَّ إذا كان الجار مع جاره يختلفان لقلة التقوى، ويختلفان لتباين الخلفيات الثقافية وهما متجاوران، ويسود بينهما العداء لأسباب أخرى كثيرة فكيف سيعالج هذه الاختلافات بين أمم الأرض المبعثرة المتباعدة التي يتربص بعضها ببعض. ألم يعتبر من عجز أمم من يسميهم أهل العلوم العصرية والتقنية عن صنع سلام في فلسطين بين دولتين صغيرتين على الرغم مما يبذلونه من جهود وأموال، فكيف يكون الحال إذا كان كل فريق مكوّنًا من عدة دول متضافرة متناصرة تتضارب في مصالحها وأهدافها مع الدول الأخرى.

 

المشكلة في دعوة الدكتور إنك إن جادلته فيها اتهمك بأنك دموي تحب القتل وتريد أن تقتل، وإن تركته زاد إيمانه بها وزرعها في صدور الناشئة حتى إذا ما خرجوا إلى الحياة خرجوا ضعافًا يبكون لأتفه الأسباب، ويساقون إلى حتفهم وهم يحسبون أنهم يقادون إلى حدائق ذات بهجة.

 

ولا يتردد في سياق دعوته إلى السلام أن يتهمنا بعدم فهم الأنبياء ولا العلم وأن الأمور مختلطة علينا. وهذا قولٌ باطل. ولو قال إننا لم نتبع بعض ما جاء به الأنبياء لقلنا صدق، أما أن يقول أننا لم نفهمهم فهذا افتراء. كيف تقوم علينا الحجة ونحن لم نفهمهم.ثم إن الله جلَّ في علاه لم يرسل الرسل إلا ليفهموا وقد يُعصوا لكن ليس لسوء فهم كما يدعي (ولقد يسرنا لقرآن للذكر فهل من مدكر). ليت الدكتور بيَّن لنا الأمر لخطورته وأبعد عن التعميم الذي لا جدوى منه.  وهو في الوقت الذي يتهمنا بعدم فهم الأنبياء، وبعدم معرفة العبادة والصلاة يدعو إلى تسـبيحة موسيقية عامرة بالخشوع والتقوى. إنني لا أشك في أنه سيجد من يقول له ما قاله نوح عليه السلام لقومه: (إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون).

 

 

قضية التوحيد

 

الكارثة الأكبر في هذه المكاشفات، وفيما سبقها من مقالات، هي قوله أن التوحيد مسألة سياسية ... !. وليته أقتصر على هذا القول رغم عواره لكنه أراد أن يبين ما يريد فجاء بطامة. فهو يقول: "وأما فكرة التوحيد فهي التي انتقاها صلى الله عليه وسلم في رسائله لملوك الأرض من الزاوية السياسية أن لا يتخذ الناس بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله". وليته سكت هنا، لكنه أتحفنا بإضافة لا تأتي في هذا السياق إلا ممن لا يعرف للناس أقدارهم، فهو يقول: "فهذه جدلية الصراع الإنساني وليس هناك أشرس منه، وكما يقول أحد الصالحين إن حب الزعامة هو آخر ما يخرج من قلوب الصالحين". وما أدري هل يستثنى الرسول محمد وبقية الرسل من هؤلاء الصالحين أم لا. ما هذه الخزعبلات يا دكتور خالص.

 

أقول أولاً: إن من ينظر لشؤون الحياة على أن منها ما هو دين وما هو سياسي ويقسمها من هذا المنظور لا يختلف في شيء عمن يفصل الدين عن الدولة، أو العمل عن الخُلق. وهذا هو أعتى مرض أصبنا به منذ أمد بعيد. فالمسلم لديه دين تنضوي تحته كل مناهجه وأعماله وأقواله  من سياسي واقتصادي وتجاري وغيرها، وما خرج من هذه المناهج والأعمال والأقوال عن حدود الدين فهو مرفوض تمامًا ولا يشفع لشرعيته كونه لم يسم أمرًا دينيًا بل سمي سياسيًا أو اقتصاديًا أو تجاريًا أو غير ذلك. ثانيًا: إن الرسول الكريم لم ينتق فكرة التوحيد ليراسل بها الملوك من جهة سياسية كما زعمت بل هو أرسل برسالة التوحيد كما أرسل النبيون من قبل فالرسالة واحدة والهدف واحد والرب واحد. ثمَّ ما هي هذه الأفكار التي اختار فكرة التوحيد من بينها سياسيًا، هل منها الاقتصاد، والتجارة، والرياضة وركوب الخيل، والفنون ... أفدنا إننا بحاجة إلا أن نعرفها. هل كان الرسول صلى الله عليه وسلم، لو لم تجد معه وسيلة التوحيد مبدلاً تلك بوسيلة ثانية، وما هي الوسيلة التي ترشحها؟.  ثالثًا: لا بد أن الدكتور خالص يعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان طالب دنيا ولا كان يرجو زعامة ولو كان ذلك من أهدافه، لوجد من يبذلها له، ولما قام الدين أصلاً. والدكتور خالص لا أظنه يجهل ذلك لكنه أرهق نفسه بكتب لا رشد فيها ثم لم يتورع عن التلفظ بما تلفظ به رغم خطورته وشدة مغبته. هذا إذا كان ما فهمته منه على هذا النحو، أما إذا كان يقصد شيئًا آخر لم أفهمه فعليه بيانه. 

 

 

قضية نحن والغرب

 

أطرح في هذه القضية عدة نقاط أتت متناثرة في مكاشفات الدكتور وكتاباته. يقول جازمًا  في مكاشفاته أن العرب يكذبون وأن الغرب يصدقون. وهذا كلام غير دقيق. والحق أن آفة أمم الأرض اليوم هي الكذب، فالكل يكذب، لكنه كذب دون كذب، أو قل كذب مرتب وكذب عشوائي. فالدكتور عاش في الغرب ويعلم جيدًا مدى انتشار ظاهرة الخيانات الزوجية بين أفراده. هل عندما يُسأل الغربي عن شيءٍ من ذلك يصدق، أم يكون التحايل والكذب. ولا يقول لي: هذا شأنٌ شخصي، لأن من كذب في الشأن الشخصي لا يتورع عن الكذب في الشأن العام متى ما لزم الأمر.  والدكتور في هذه القضية يناقض نفسه، فهو في مقاله حول "لغات التعلم الثلاث" في الشرق الأوسط 4/12/2002م، يورد شهادة عالمين غربيين لغويين نشرا بحثهما الإحصائي في مجلة ألمانية. يقولان فيه: "إننا نكذب بمعدل عدة مرات في بضع دقائق". والأولى أن يقول أنهم يكذبون، ولا يعمم، لأن البحث الإحصائي عُمل على فئات منهم لا منا. لكننا لمرض نعاني منه نأخذ نتائج أبحاثهم كما يسطرونها دون تمحيص. وبعضهم يرى أنهم إذا عملوا دراساتهم على بلدانهم فإنما هم يعملونها على العالم كله. فلسان حالهم يقول من هو العالم إذا لم يكن نحن. ولكن ينبغي أن أعدل فأقول أن الغرب في تعامل أبنائه بينهم بين وفي حفظه للوقت، ولكثيرٍ من حقوق أفراده يظل أفضل منا بكثير، وهذا أمر ملموس.

 

ويقول الدكتور: "أن بوش رصد 200 مليار دولار لمكافحة الإرهاب ولو استثمرت أمريكا 20 مليار في العالم العربي فسوف تكسبه بدون حرب".  وهذا كلام من لا يعرف أمريكا حق المعرفة. فالاستثمار قائم، والكسب قائم، ولكن شهوة الغلبة وحب المغامرة يدفع إلى تغيير أساليب السيطرة والاستثمار والكسب.  ويقول أيضًا: "يمكن اعتبار ما عملته أمريكا مع ميلوسوفيتش نوعًا من الجهاد". ومن قوله هذا تتضح مشكلة يعاني منها فكر الدكتور كثيرًا وهي فصل العمل عن النية. وكأنه بهذا لم يقرأ من القرآن ولا من كلام الرسول عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم شيئًا. فأين من جاهد لتكون كلمة الله هي العليا. ويتحفنا الدكتور بشطحة أخرى فيقول أمريكا تكذب ونواياها سياسية ولكن الأمل معقود في أوروبا. وكأنه لم يقرأ شيئًا من تاريخ أوروبا أو قل بعض أوروبا. ولو كانت السيطرة اليوم لأوروبا، وبدأت أمريكا تتشكل، لقال أوروبا تكذب والأمل معقود في أمريكا. ولو أن الاتحاد السوفيتي آخذ في التشكّل، لقال الأمل في الاتحاد السوفيتي. وهو لا يستطيع أن ينكر هذا لأنه وقع فعلاً وتعلقت أقوام بأهداب هذا الاتحاد (الوهم) فما جنت إلا الشوك. هل سمعتم بمخدرٍ أعظم تأثيرًا من هذا. أبمثل هذا تستنهض همم الشباب ويربى الجيل. إن الإعجاب بالكبار لا يكون عادةً إلا من الصغار، فلنتنبه لهذا الأمر.

 

ولو افترضنا جدلاً أن أوروبا أصبحت في وضع كالذي يتوقّعه منها، فهل يعتقد أن أمريكا ستتركها - دون دماء - تسيطر على عالم سبق لها أن ذاقت حلاوة السيطرة عليه. فأين دعوى السلام التي يحلم بها. ويقول في مكاشفاته: "ولو كان الشعب المصري متسلحًا بعلوم العصر فما كان سيتسنى لنابليون أن يستعمره ... " . ما هي علوم العصر ؟. إن أعظم علوم العصر هي ما ينتج القوة التي يدعونا الدكتور بكل إلحاح إلى التخلي عنها وعدم التفكير في مجرد امتلاكها ليعم السلام حسب زعمه. وإذا أنكر ذلك فاسمع قوله في المكاشفات في موقع آخر: "نحن نعيش في عصر التكنولوجيا ولا بد من التعايش معها حتى نستطيع مسايرة العصر".  فهو يناقض نفسه من حيث لا يدري لأن التكنولوجيا اليوم عسكرية الطابع شئنا أم أبينا. ويقول: "لو كانت المقاومة في فلسطين مدنية لتغير الوضع، وتم رفع الأمر للمنظمات الدولية ما كان سيحدث قتل". أي منظمات دولية وأنت قررت قبل قليل أن أمريكا تكذب وهي - كما قلتَ في المكاشفات - القطب الأوحد في العالم. ثم ألا يعتقد الدكتور أن قتل العدو لمن يقاوم مدنيًا أسهل بكثير عليه من قتله من يقاوم عسكريًا. ثم لعل الأخوة الفلسطينيين – وهم أدرى بشأنهم – جربوا ما قلت ولم ينفع، فهل سألتهم؟. إن غاية ما يسعى له الخصم أن يجد شعبًا مدنيًا يستذله ويستعبده، فإن رفض هذا الشعب الإذلال والاستعباد نُكل به وسُحق ومحق على مشهد من المنظمات الدولية التي مازلنا نؤمن بها رغم كفرها بنا.    

 

ومما صدمني في مكاشفاته قوله: "وفي قناعتي أن كارثة أصابت الشرق بعدم تطوير الفن ويجب أن تطور الموسيقى كما فعل الإيرانيون فأبدعوا في إنتاج موسيقى إسلامية هادفة". وفي نظري أن الاهتمام الزائد بالفن هو من العوامل التي ألهت الشرق عن فنون الحضارة الأخرى. فنحن ملأنا كتبنا بالجارية المغنية، والغلام العازف، والقيان العازفات، حتى بدا للناظر أنه لا هم للأمة إلا الاستمتاع بمواهب الجارية والغلام والقيان. وفي اعتقادي أننا، وإن كنا لفتنا نظر الغرب إلى أسلوب البحث العلمي الراقي وهو في غفلة عنه، فإننا من جهة أخرى لفتنا نظره إلى الغلام والجارية والقيان. فطوَّر كلا الأمرين أيما تطوير وتفنن فيهما أيما تفنن. فصنع من الأول تقنية جبارة بدأت تلتهمنا فيمن تلتهم، وصنع من الثاني عبثًا ما بعده عبث بدأنا نحوم حول حماه ووقعت فلول منا فيه، والمقبل أخطر. فكيف نقول أن الشرق غفل عن الفن ، وهو يحمل منه الوزر الأعظم.

 

ومن القضايا التي يدندن بها الدكتور خالص قضية التقدم التقني في الغربي مقابل تأخرنا الشنيع فيه. وهذه قضية لا خلاف عليها. إنما الخلاف على الطريقة التي يتناول بها المعارف التي يتوصل إليها بعض علماء الغرب. فتجد الدكتور يطرح ما توصلوا إليه بإيمان بالغ بصحته التي لا يخالطها شك. وهذا ما لا يدعيه هؤلاء العلماء أنفسهم. ثمَّ هو بأسلوبه هذا يضخم ما يتوصلون له ولو كان أمرًا هينًا يعرفه الراعي في الفلاة. وهذا داء أصبنا به نحن العرب ولا نعرف كيف الشفاء منه. فلو خرج علينا أحد من الغرب وقال إن الشمس تشرق من الشرق وتغرب في الغرب، لسمعت منا من يشيد بنظرية الشروق الجديدة. ولتناولها عدد غير يسير من المختصين بالشرح والتحليل والإشادة والتبجيل. ولو قضى العربي عمره كله يدرس ويحلل ويُنظّر لما سمعت من يذكره بشيء. فإذا مات بعد عمر مديد، سمعت من يقول: لقد أوشك أن يخرج بنظرية لكن القدر لم يمهله، وله على كل حال شذرات يمكن لطلابه أن يجمعوها علها تكون مبادئ  بسيطة لمن يأتي بعده. وهذا خذلان عظيم.

 

وخذ بعض الأدلة على هذا النوع من الإشادة والخذلان. يقول الدكتور خالص: "... وهذا يذكر بالعمل الرائد الذي قام به الكندي (وايلدر بنفيلد) في جامعة مونتريال لمدة خمسين سنة بدراسة جغرافيا المخ على أدمغة ألف شخص في حالة اليقظة ليصل في نهاية أبحاثه التي ظهرت بعنوان (لغز الدماغ Mystery of mind ) أن كل شيء له مكانه إلا الإرادة الإنسانية فليس لها مكان. وأن الروح لا تفنى بتحلل الدماغ" (الشرق الأوسط، الأربعاء 20/11/2002م). فمادام هذا العالم قال أن الإرادة لا مكان لها، فلا مكان لها إلى يوم القيامة. وماذا سيقول لنا الدكتور خالص لو خرج هذا العالم وأعلن عثوره على مكان الإرادة. ثم ما هذا الفتح العظيم بعد هذه السنوات في مسألة الروح: "الروح لا تفنى بتحلل الدماغ". الحمد لله أن الدكتور لم يطلق عليها نظرية الروح.

 

ويقول في  الشرق الأوسط 6/11/2002م: "ولكن ما أهمية اللغة للإنسان حتى يضع القرآن الحق موازيًا للنطق فورب السماء والأرض إنه لحق مثلما أنكم تنطقون. الجواب على هذا يصيغه الفيلسوف الألماني فيلهلم فون هومبولدت Wilhelm von Humboldt على الشكل التالي: (لم يكن الإنسان ليصبح إنسانًا بدون لغة، ولكن حتى يخترع الإنسان اللغة يجب أن يكون إنسانًا)". لو قال هذا الكلام عربي لحكمنا عليه بالاختلال العقلي ولأودع السجن. ولربما كان الدكتور خالص من أول الساخرين منه، لكنه غربي فاستشهد بقوله في سياق فهم آية من آيات القرآن الكريم التي لا نعدم من علماء الإسلام من قال عنها أو يستطيع أن يقول خيرًا مما سطره هومبولدت. لكنه الغلو في التبجيل.

 

ويقول في الشرق الأوسط 20/11/2002م: "أما نظام اللغة عند الإنسان فهو سماء بدون سقف كما وصفه (بيـتر فارب) في كتابه (بنو الإنسان)"، وذلك في معرض مقارنته لغويًا بين القرد والإنسان. الله جلَّ شأنه يقول في كتابه العزيز الذي يحفظه الدكتور: "قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا". ويقول عز من قائل: "ولو أنما في الأرض من شجرة أقلامٌ والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم".  وهذه الكلمات هي اللغة، والله هو الذي علمها الإنسان. فالناس فيها درجات بعضهم فوق بعض كلٌ حسب مقدرته وفهمه وما مكَّنه الله منها. ولكن العجز يظل ملازمًا للإنسان في الأخذ من هذه اللغة كما هو في غيرها من القدرات. فهو يغرف من بحر لا ينضب، ولكنه لا يغرف إلا الشيء اليسير جدًا. فهل نحن في حاجة إلى (بيتر فارب) ليخبرنا أن اللغة لا سقف لها. الحمد لله.

  

 ومثل ذلك نظرية الحكي- المشي لـ (روبرت بروفاين Robert Provine ) التي ترى أن  لانتصاب جسم الإنسان تأثيرًا في مقدرته على النطق (الشرق الأوسط، 12/11/2002م). ولو عُلم مثل هذا فليس بغريب، فالله جل شأنه علمنا أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم. وعليه فإن أعضاءه تؤدي وظائفها على خير ما يرام بفضل من الله. ولو جاز للغرب أن يسموا مثل هذا الكلام نظرية، فإنه لدينا أمر معلوم مسلمٌ به. والعيب والقصور فينا نحن إذ لم نبحث فيما بين أيدينا من علم لمعرفة الحق والاستزادة من الخير. 

 

ومن الأدلة على التهوين من شأن العربي الباحث وتضخيم نظيره الغربي ما طرحه في موضوع أسماه  "لغات التعلم الثلاث الصامتة والصائتة والمكتوبة". يقول في آخره: "ولا يمكن أن نتصل بأفكار الله أو كلام الله أو كتابه وكذلك ما يتعلق بالرسول صلى الله عليه وسلم إلا بواسطة هذه المراحل الثلاث وخاصة نحن الآن ليس أمامنا إلا كتاب بين دفتين لا نفهمه إلا بواسطة اللغة أو الكلام محكياً أو مكتوباً. فالمسلمون بكل سذاجة يظنون أن لهم القدرة على الاتصال بالمعاني التي أرادها الله بواسطة هذه اللغة دون الرجوع إلى الواقع الذي يتحدث عنه". ورغم عدم دقة ما سطره هنا، فلا يفوته أن يسخر من المسلمين بكل جرأة، وينسى منهجهم المتواتر في حفظ القرآن الكريم والسنة النبوية من لدن محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام إلى اليوم. بل لا يحاول أن يجند قلمه في الدفاع عن منهج من يرى ضرورة التلقي أو التلقين لفهم مراد الله من القرآن الكريم ومراد الرسول الكريم في السنة النبوية. إنه يغفل أو يتغافل عن هذا المنهج مع أنه يحقق ما يتشبث به من نظريات تبقى قاصرة مهما بلغت. وكلنا يعلم إنما الأعمال بالنيات، وبهذا يحاسب الإنسان على أقواله وأفعاله بغض النظر عن اللغة السيميائه التي تصاحب اللغة المنطوقة. ولعل النية التي ألغاها الدكتور في اعتباره تصرف أمريكا مع حاكم صربيا جهادًا هي التي تحرك هذه القسمات فيستشف منها بعض ما وراء القول من قصد.

 

والغريب في الأمر أن الدكتور إذا حاجه أحد بالقرآن قال استحضر السياق كما في مكاشفاته. فإذا استشهد هو بالقرآن أغفل السياق. انظر له يستشهد في مقاله حول اللغة بالآية : "ولو نشأ لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم". وعندما تكلم عن دعوته إلى إلقاء السلاح من طرف واحد وكرر إنكاره على من يريد الاستعداد للقتال إن حصل، لم يستحضر الآية التي تقع قبل هذه الآية في السور نفسها (سورة محمد)، والتي نصها: "ويقول الذين أمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت". فهو أيضًا ينتقي من آيات القرآن ما يؤيد قوله ويغض الطرف عما ينافيه. وأود أن ألفت نظر الدكتور الكريم إلى آخر ثلاث كلمات في الآية الأولى "والله يعلم أعمالكم" ولم يقل جل َّ شأنه يعلم سيمياءكم ولا لحن أقوالكم، مع أنه يعلم كل شيء. والقول من العمل، ومن يعزل النية عن العمل، فهو شقي.    

 

ومما يوحي بتمجيد بعضنا لكل ما هو غربي، طريقة الدكتور في حديثه عن الأشياء التي حدثت قبل آلاف السنين أو قل ملايين السنين بثقة مطلقة وكأنها حدثت البارحة ولا تعلم أنها حدثت قبل آلاف السنين إلا عندما يقول لك في آخر جملة وهذا كان قبل ثلاثة آلاف سنة من الآن. والحمد لله أنه لم يقل قبل ثلاثة آلاف سنة ويوم. وخذ  أخي القارئ مثالاً واحدًا يتضح به أسلوب الدكتور في طرح المعلومات التي تحتمل الخطأ والصواب. يقول في حديثه عن نشوء اللغة وتطورها (الشرق الأوسط، 6/11/2002م): "ونحن نعرف أن عمر الأرض 4.6 مليار سنة. ونحن نعرف أن الحياة بدأت بعد تشكل الأرض بـ 800 مليون سنة، أي قبل 3.8 مليار سنة". كأنه حضرها وكان عليها من الشاهدين. لعلي هنا أوردت ما يكفي من أدله تشير إلى غلونا في تمجيد كل ما هو غربي إلى درجة توحي بتحقير كل ما هو عربي إسلامي.

 

أرجو من سعادة الدكتور – وهو الحافظ لكتاب الله - إن بهرته مثل هذه الاكتشافات وهذه المسائل  أن ينبهر بها وحده وأن لا يشغلنا بها فلدينا ما هو أهم منها. ولقد عرفنا علماء الغرب وكيف يفكرون. إنك لو لقيت العالم منهم وسألته عن نتائج بحثه لتحدث إليك عنها بشيء من الحذر، وبأسلوب يوحي أنه لم يعلم إلا بجزء يسير جدًا منها وأن المتبقي أعظم ، وربما أشار إلى احتمال خطأ نتائجه وثبوت عكسها في المستقبل. وهذه الاحترازات  لا مكان لها لدى دكتورنا الفاضل في كل ما يتحفنا به من تطور غربي، فهل عرف علماء الغرب حق المعرفة. وهو حفظه الله لا يحرث في هذا الخبت وحده، إنما هو واحد من فريق كبير سخر كل فرد منه نفسه لخدمة النهضة الغربية بطرق شتى. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يحصيهم عددا، وأن يهديهم طريق الرشاد والهدى، ولا يغادر منهم على الغواية أحدا.  

 

 

قضية تهويل التقنية والتعويل على علوم العصر

 

الدكتور خالص حفظه الله لا يتورع عن أن يكتب في أي شيء. وهذا وإن عده ميزة تحسب له، فإن غيره من المختصين فيما يكتب فيه قد يراه عيبًا كبيرًا. فهو يقتحم الجيولوجيا والآثار، ثم يضرب بسهم في التأريخ، ثم يتناول اللسانيات بالبحث والتحليل، ثم يغوص في أعماق علم الحاسب الآلي، ويجول في العلوم النفسية، ويمور بنفسه في الفنون الحربية والعسكرية، ولا ينسى استرفاد العلوم الدينية، ولا الاستدلال بآيات القرآن الكريم متى ما راق له اللفظ أو المعنى  أو كليهما، ويستحضر الطب ويسترفده،  إلى غير ذلك من التخصصات الدقيقة التي لا يلم بها فريق علمي متكامل. وعلى الرغم من تنامي الحاجة إلى من تتوفر فيه ميزة الجمع بين عدد من التخصصات المختلفة، وتنامي هذا النهج مع العولمة التي نعيشها، ومع انتشار تقنية المعلومات عبر الإنترنت، فإن على من يتجشم هذا النهج أن يكون حذرًا جدًا، وإن يلزم نفسه بالجلوس للدرس في هذه التخصصات كما سيجده الدكتور أو وجده من خلال بحثه في لغات التعلم الثلاث: الصامتة والصائتة والمكتوبة حتى يبدع إبداع أهل التخصص المفرد أو ينسحب من الساحة ويعود إلى ما يتقنه ولا تثريب عليه إن شاء الله.  

 

فالدكتور يقحم نفسه في كثيرٍ من العلوم العصرية، بل يقول بقول في تقنية كل علم وكأنه خبرها وعرفها تمام المعرفة. وتجده في مكاشفاته كما في مقالاته يركز كثيرًا على العلوم العصرية والتكنولوجيا. ولقد قرأت له مقاله  "هل يمكن تعليم الكمبيوتر النطق" في الشرق الأوسط (20/11/2002م)، فخشيت أن يواصل الحديث في هذا العلم إلى أن يصوّر الكمبيوتر للناشئة كعجل بني إسرائيل. لكنه بفضل من الله أقتصر على مقدمة ذلك المقال، وعساه أن لا يعود له تحت وطأة ماذا أكتب عنه اليوم. ففي مقاله هذا سرد لنا الدكتور تجربة عالم في فرنسا استطاع أن يجعل عدد من الكمبيوترات تتحدث مع بعضها باستخدام الذكاء الصناعي. وقادنا إلى نتيجة مفادها أن اللغة كائن حي، وحسب نتيجة ذلك العالم فإنه يمكن للغة "أن تنظم نفسها اجتماعيًا وتنتشر مثل وباء الفيروسات". سبحان الله! مسكين الذي لا يعلم كيف يعمل الحاسب الآلي إن قرأ هذه التجربة المثيرة. وعلى من لديه بعض العلم أن يقرأ النص أكثر من مرة وسيجد كلمات مثل: "فغذى الروبوتات بكلام ليرى هل يمكن تشكيل اللغة صناعيًا" ومثل: "وشحن الكومبيوترات بحروف شتى وحرضها لتبادل الحديث مع بعض باستخدام أي كلام ... بواسطة أدوات بسيطة من الذكاء الصناعي (منظم الصوت، الذاكرة، وبرنامج لمعرفة النماذج)"، ومثل: "وما فعلته هذه الآلات الخرساء أنها تفاهمت على كلماتٍ محددة… ". ونسي هنا أن يذكر قواعد المعلومات (Databases) الضخمة التي بقدر دقة بنائها تكون جودة العمل المنجز. والذي يبدو لي أن الدكتور لديه مشكلة أخرى في قضية العقل والنقل – كما جاء في مكاشفاته - لأنه يفهما جيدًا ثمَّ ما يلبث أن يميل إلى إهمال النقل ومحاولة الاكتفاء بالعقل. ولعلي أقرب له الأمر من ناحية تقنية مادام مولعًا بالتقنية ومعطياتها. لو تصور الدكتور العقل كقاعدة المعلومات في تقنية الحاسب الآلي. وتصور النص المنقول كالبرنامج الذي يحرك هذه القاعدة فتأتي النتيجة بقدر تأثير هذا البرنامج فيها. ولا يعجل علي الدكتور فهو يقول في مقاله عن اللغة (الشرق الأوسط 4/12/2002م) ما نصه: "وفي العادة لا ينتبه الإنسان إلا بالتنبيه إلا القليل من الناس وفي بعض الظروف النادرة وفي جوٍ من المعاناة". ولو أعدنا صياغة هذا الكلام وقلنا: "وفي العادة لا ينتبه عقل الإنسان إلا بالتنبيه... "، لما أختلف شيء. فاجعل هذا المنبه هو النص المحرك، وجعل العقل كتلك القاعدة التي لو حاول الإنسان تفعيلها بدون برنامج جيد، لأخطأت كثيرًا ولأصابت قليلاً.

 

أعود فأقول إن الحاسب الآلي لا يقوم بعمل شيء من ذات نفسه، بل هو ينجز أعمالاً مذهلة بناءً على برمجةٍ سابقة من المستخدم. وكلما كان المستخدم حاذقًا ومجيدًا لفن برمجة هذه الآلة كانت النتائج أفضل وأعجب. والدكتور الفاضل يعلم أن مجال الطب هو أحد المجالات التي يطبق فيها شيء من الذكاء الصناعي بغرض سرعة تشخيص حالة المريض بشيءٍ من الدقة. فهل يقوم الكمبيوتر بشيء من ذلك من ذات نفسه، أم أن ذلك مبنيٌ على برمجة سابقة وعلى معلومات كثيرة خزنت في هذا الجهاز لييسر عملاً قد يستغرق الإنسان في إنجازه وقتًا طويلاً.

 

واللغة ليست كائن حيٌ. ولو قال إنها كائنٌ حيٌ بحياة صاحبها لحملنا ذلك على المجاز وقبلناه منه. لكن أن تصبح هي كائنًا حيًا بذاتها، مولدة من كائن لا حياة فيه أصلاً، فهذا شطط في القول كبير. وأرجو أن لا يلصق الدكتور إلى جانب هذا القول، قول الله تعالى : (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي). ثمَّ لاحظ إن ما أتى به في مقدمة هذه المقالة يناقض جملة وتفصيلاً ما ذهب إليه في مقالة 6/11/2002م في الجريدة نفسها حيث قال: "كما أن اللغة هي أداة الترميز وهي التي عنتها الآية (وعلم آدم الأسماء كلها) ... الأسماء بالقدرة على وضع (لفظ) يدل على (شيء). ولفظة (كلها) أنها خاصية مفتوحة لكل أنواع الترميز". فاللغة هنا عُلمها الإنسان، ولكنها تحولت في مقاله  السابق إلى كائن حي. هل يحاول الدكتور أن يبني معرفة متراكمة مترافدة منسجمة أم يأتي بأقوال مشتتةٌ  كيفما أتفق.

 

ثمَّ أنه ليس بخاف على متعلم أن كل التخصصات - ما كان يعرف منها بالعلمي والأدبي - شرعت منذ أواخر الثمانينيات الميلادية وأوائل التسعينيات، وبعضها قبل ذلك، في محاولة إحلال الآلة مكان الإنسان وذلك لسرعة إنجاز هذه الآلة للعمليات الحسابية الضخمة خاصة وغير الحسابية عامة. والمهتمون بصناعة الخرائط وأنظمة المعلومات الجغرافية، على سبيل المثال،  لم يغفلوا  هذا التحول الكبير بل كانوا من أسرع الناس مبادرة إليه. ولكنهم كلما أنجزوا عملاً ضخمًا في هذا المضمار وفرحوا  به فرحًا شديدًا ونشروه بشغف واستقبلوه بانبهار، سرعان ما تكشَّفت لهم ضآلة هذا الإنجاز بجانب ما يستجد لهم من أشياء وأبعاد يجهلونها تمامًا. فسبحان الله القائل (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا). ولئن كان تحقق النجاح في إحلال الكمبيوتر محل الإنسان في كثيرٍ من العمليات المساحية المتعلقة بصنع الخريطة الرقمية (digital map) فإن الإنسان لم يزل عاجزًا عن أن يجعله يتعرف على كثيرٍ من الأشياء الموجودة على سطح الأرض كتعرف الإنسان عليها. فلا ينبغي التهويل من شأن تقنية اليوم – رغم عظمها وهولها قياسًا بقدراتنا العقلية- لأن ذلك مما يزيد في إحباط الجيل الصاعد ويحسسه أن لا أمل له في فهم تقنية هي أقرب إليه من شراك نعله. 

 

والكشوفات التقنية التي يسلم بها الدكتور دون تمحيص قد تناقض نصوص ثابتة قرأها قبل قراءة هذه الكشوفات بزمن طويل.  يقول في حديثه عن نشوء اللغة وتطورها (الشرق الأوسط، 6/11/2002م): " وإن الإنسان ظهر قبل سبعة ملايين سنة على الأقل، حسب كشوفات العالم الفرنسي (برونيت). أما متى نطق الإنسان فالعلماء يخمنون أنه في حدود 200 ألف سنة على حد أبعد. وهي بداية ظهور الإنسان الثقافي. فكما حصل انفجار عظيم لولادة الكون وانفجار بيولوجي لظهور الكائنات عديدات الخلايا، كذلك حصل انفجار ثقافي بظهور الإنسان الناطق. ومع النطق تغير الإنسان كلية ووضع على طريق التطور. وكما يقول الأنثروبولوجي الأمريكي (ستانلي أمبروز Stanly Ambrose) من جامعة إيلينوي، إن ما بين عصر القوس والسهم وغزو الفضاء لا يتجاوز 12 ألف سنة". ونقول له إذا كان ظهور الإنسان على الأرض كان قبل سبعة ملايين سنة، فهل أول من نطق آدم قبل 200 ألف سنة أم غيره، لأن الله قال لنا في القرآن: "وعلم آدم الأسماء كلها" أم تريد أن تقول أن تعليم آدم الأسماء كان بلغة الإشارة أو لغة الجسد. فماذا تقول في قول الله تعالى: "فتلقى آدم من ربه كلمات". لماذا لم يقل جل شأنه: إشارات أو إيحاءات بدلاً من كلمات. ما هذه المهامه التي تضرب فيها أيها الدكتور الفاضل. إنك لو قرأت القرآن لوجدت فيه وصف أمم سابقة أهلكها الله بأنها أكثر قوة وعمرانًا للأرض من أمم لاحقة لها. ولو بلغنا من التقنية ما بلغناه اليوم، فإننا لم نصل إلى شيء مما كان تحت يدي نبي الله سليمان عليه السلام. فعد إلى قصته تجد: ("قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك")، وتجد ("قال إنه صرح ممرد من قوارير"). أم تحسب أن القوارير لم تصنع إلاَّ في عصر ستانلي أمبروز. إن الحضارات الإنسانية تشهد بزيف ما يسطره هؤلاء العلماء وما ينقله عنهم الناقلون.

 

وكثيرًا ما يشير الدكتور الكريم إلى أن الحضارة الإنسانية عمرها لا زال قصيرًا. بل أنه يحدد لنا في إحدى مقالاته كم بقي من مليون سنة للحياة على الأرض. إنه يريد أن يقول إن ما مضى من حياة البشر لا يعد شيئًا مع ما أقبل منها من حيث الرقي والتقدم. وهو هنا يصادم عددًا من الحقائق. فلا يعقل –إضافة إلى ما سبق - أن يرسل الله جل شأنه عددًا كبيرًا من الأنبياء والرسل على مر العصور، ويختتمهم بمحمد عليهم جميعًا أفضل الصلاة والتسليم، ثم يأتي كاتب متأخر فيقول إن الحياة الثقافية لم تبدأ بعد، وإن الحياة السابقة كانت خلوًا من الحضارة وطابعها التخلف، وأن الحياة الحقيقة المرجوّة من الإنسان مازالت في بدايتها، وأن ثقافة الإنسان مازالت في طور النمو، وسيأتي عصر ينعم فيه الإنسان بالسلام الشامل الدائم. ما هذا الخرافات التي لا يستأنس لها الأطفال الصغار على الرغم من ولعهم بكل ما هو عجيب غريب.

 

إنه لو خرج عالم ما وقال لنا إن آدم عليه السلام عرف من اللغة مالم يعرفه أحد من بعده، لما تجرأنا على تكذيبه. والدكتور يشير حسب الأبحاث التي يقرأها أن إتقان اللغة وحسن التصرف بها دليل ذكاء وفطنة، وشاهد ثقافة ورقي. فهل دكتورنا الفاضل يعد أدم عليه السلام من المتحضرين المثقفين أم أنه من الفريق الآخر. ولا ينسى، سلمه الله، أن آدم عليه السلام علم من اللغة ما لم يعلمه الملائكة الكرام.    

 

أخي القارئ، لقد أجلب علينا الدكتور خالص جلبي بفكرٍ متضارب تضارب أفكار بيئته الأولى التي عاشها. ولقد احترت كثيرًا في كيفية الرد عليه فهو لا يستقر على حال فما إن تراه على جادة إلا وينقلب إلى أخرى. ولو جمع من القرآن الكريم والسنة النبوية ما يناقض ما يدعو إليه لخرج بكمٍ هائلٍ لا يمكنه تأويله كله بما يخدم منهجه. وأنا علي يقين أن القرآن الكريم في متناول يده، فلعله يجعله مهيمنًا على ما بين يديه من اجتهادات بشرية لا يتوانى في إضفاء طابع القطعية عليها، والإيحاء للقارئ أنه كلام لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، علمًا أنه قد يجد ما يناقضه ممن قال به، بل ويناقضه هو بنفسه في مقالات أخرى. وأنا هنا لا أدعي أنني أكثر صلاحًا من الدكتور خالص ولا أهدى منه سبيلا، ولكنني أربأ بقلمه أن يتشتت هذا التشتت، وأن يُرهق هذا الإرهاق. ومن ألزم نفسه بعدد من المقالات في الأسبوع الواحد سيضطر إلى أن يحتطب من الأخضر واليابس ليوفي بالتزامات لم يوقعه فيه أحدٌ سواه. وسيعزف بطبيعة الحال عن قراءة أقوال من يناقشه لضيق وقته، رغم ما فيها من فائدة هو في أمس الحاجة إليها. أسأل الله العظيم أن يجعل أعمالنا خالصةً لوجهه، وأن يجنبنا كلَّ قول أو فعل ليس وراءه إلا محض اختصام وجلبة.

 

د. ظافر بن علي القرنـي

أستاذ الهندسة المساحية ونظم المعلومات الجغرافية

جامعة الملك سعود – الرياض

 

 

 

نشر أجزاء من هذا الرد في الرسالة.

 

 

 

عدد زوار الموقع

جميع الحقوق محفوظة 1426 هـ