نظام تحديد المواقع العالمي
(Global Positioning
System)
التفتت الدول المتقدمة تقنيًّا في القرن
الميلادي المنصرم إلى الفضاء بشكل كثيف ليقينها أن السيطرة منه على الأرض أجدى
وأعتى. فطوَّرت الولايات المتحدة الأمريكية من ضمن ما طورت في النصف الثَّاني منه نظام
تحديد المواقع العالمي(Global Positioning System, GPS)
الذي يعني بتحديد إحداثيات مواقع الأشياء أو المعالم على الأرض
لأغراضٍ عسكريةٍ في أول الأمر وذلك لأهمية هذه التقنية وكفاءة إنجازها. ثمَّ توسَّع
استخدامها ليشمل الاستخدامات المدنية المتنوِّعة.
لقد ِأحدثت هذه التقنية ثورة عظيمة في كثيرٍ
من المجالات العمليَّة والتعليميَّة؛ فعلى سبيل المثال، بدلاً من أن تكون نقاط
التَّحكم (Control Points)
مثبَّتةً في الأرض كما كانت العادة في الأعمال المساحية المختلفة
وإنتاج الخرائط، أصبحت في السماء؛ فقلَّت بذلك مؤونة استحداث هذه النقاط على الأرض،
ومؤونة البحث عنها وصيانتها، وتحسَّنت الدِّقة، وتعاظمت شمولية العمل، وبار شرط
التناظر بين الأهداف، وزادت ألألة العمل، وتنامت عوامل جذب النَّاس إلى هذه
التقنية الجديدة وغير ذلك من المزايا المشهودة.
وقصدت بالتناظر بين الأهداف تمكُّن
الراصد الواقف على هدف ما على الأرض من رؤية الهدف الآخر المراد رصده عليها مباشرة
دون عائق. ولذلك كان يضطر المهندسون إلى بناء أبراج من الخشب أو من غيره فوق الهدف
ليروا من عليه الهدف الآخر فيرصدوا مسافته أو إحداثياته بأجهزتهم المساحية من فوق
تلك الأبراج. وقد يبلغ ارتفاع البرج منها خمسين مترًا أو أكثر ويتكرر بناؤها بحسب
طبيعة الأرض، والغرض المنشود من العمل المساحي. ولا ريب أن في بناء هذه الأبراج ما
فيه من عنت وشقاء. وهي تشبه إلى حدٍّ كبير أبراج الهاتف المحمول المنتشرة في مدننا
وقرانا لجعل الخدمة تصل كلَّ مكان في البلد. وتطور التَّقنية ينبئ أنَّ هذه ستندثر
كما اندثرت تلك.
فالـ GPS في
العمل المساحي ألغى هذه الأبراج بمشقتها وعنتها، فلم يعد شرط التناظر أو التَّرائي
ملزمًا بين الأهداف على الأرض فكلُّ هدف منها "يرى" الأقمار الصناعية في
الفضاء فهي مشتركة في رؤيتها محكومة بها فكأنَّها ترى بعض ويضبط بعضها بعضا.
وقصدت بالألألة (Automation) جعل الألة تنجز ما
كان الإنسان يضطر إلى إنجازه يدويًّا – انظر المصطلحات الجديدة في مكان آخر من هذا
الموقع.
وحيث أنَّ عدد المجاهيل المراد معرفتها عن
موقع النقطة أو الهدف الواحد هي ثلاثة (Z, Y, X)، ولوجود الفارق الزَّمني بين ساعة القمر الصناعي (Satellite) التي يوقت بها
لانطلاق الإشارة منه، وساعة المستقبل التي يوقت بها استقبال تلك الإشارة، يضاف
الزَّمن مجهولاً رابعًا إلى المجاهيل الثَّلاثة السَّابقة. من أجل ذلك يلزمنا على
الأقل أربع نقاط تحكُّم في الفضاء معروفة المواقع لتحديد هذه المجاهيل الأربعة في
الأرض. هذه النقاط ما هي إلاَّ أربعة أقمار صناعية من أقمار الـ GPS.
ولأن المجاهيل هنا تساوت في عددها مع
المعاليم فإن الحل المستنتج هو حلٌ فريد (Unique
Solution) نصل إليه دون القدرة على معرفة
الأخطاء التي تكتنفه لعدم وجود خيارات أخرى تمكننا من غيره الذي قد يكون أصح منه.
فإذا ما رصدنا من النقطة المجهولة أكثر من أربعة أقمار زادت المعاليم عن المجاهيل فأمكننا
الحصول على أفضل الحلول بطريقة ضبط المربعات الصغرى مثلاً (Least Square Adjustment). ونقول
أفضل الحلول لأن كلَّ أربعة معاليم منفردة تأتي بحلِّ فريد للمجاهيل المطلوبة يختلف
عن الحل الذي تأتي به أربعة معاليم أخرى مختلفة، وهكذا. فإذا استخدمت المعاليم
كلَّها دون التفريط في أيٍّ منها وكانت أكثر من المجاهيل تفاهمت فيما بينها بطريق ضبط
المربعات الصغرى وأتت بحلٍّ مقنعٍ للجميع قريبٍ من الحل الصحيح. ولا ريب أنَّه
كلما زاد عدد المعاليم الصحيحة نسبةً إلى المجاهيل كان الحل أفضل وأصح.... والله
تعالى أعلم.
وكأي تقنية أخرى تبدأ مكلفةً ثمَّ تأخذ
في التَّدني قيمةً إلى أن تصبح في متناول يد كلِّ مهتم. فيمكن شراء المستقبلات (Receivers) بقيمة
تقارب 70000 ريال لذي الدقة العالية التي تستخدم في الأعمال الجيوديسية مثلاً،
وبقيمة نحو 10000 ريال لما دقته بعض المتر، و حوالي 3000 ريال لما دقته 1 إلى 5م. أما
المستقبلات التي تستخدم في بعض أنواع الرياضة والاسترشاد التقريبي فقيمتها أقل من
الأخيرة بكثير. والمتوقَّع مع وجود التنافس العالمي في هذا المجال رخص هذه التقنية
إلى أن تصبح شبه مذولة لمن شاء من النَّاس؛ فروسيا لديها نظامها، وأوروبا توشك أن
تُدشِّن نظامها الخاص بها. وستتتالى الدول المقتدرة تقنيَّا فتكثر الخيارات أمامنا
نحن المستضعفين في الأرض، وربما دغدغتنا الحريِّة، أو أصابتنا الغيرة فرفعنا
رؤوسنا نحو السماء فانتشلنا أنفسنا من شرك التقنية المحبوك لكلِّ متكاسلٍ بعناية فائقة.
ومن أهم الخدمات التي يسرتها هذه التقنية
أن مكَّنت المعنيين بشؤون الهندسة المساحية ومنتجي الخرائط من إعادت الإحداثيات
الأفقية والرأسية إلى مرجع واحد هو أقرب ما يكون إلى الدقة بعدما كانت تُقدَّم
للمستخدم مجتمعةً وهي في الأصل عائدةٌ إلى مرجعين منفصلين. فمن المعلوم انَّه إذا
حُدد الجيود (Geoid) بشكل
جيد أمكن إيجاد الفاصل بينه وبين القطع الناقص (Reference
Ellipsoid) المعروف بالـ (Geoid Undulation, N) .
فإذا عُرف N أمكن حساب
الإرتفاع عن سطح القطع الناقص بدقة، ومن ثمَّ أصبحت الإحداثيات الأفقية والرأسية
تعود إلى ذلك القطع النَّاقص بدلاً من إعادة الرَّأسية منها إلى سطح البحر
المُقرِّب للجيود. ولكن نظرًا لصعوبة تحديد الجيود لا زالت الدِّقة الرَّأسية للـ GPS أقل من
تلك الممكنة للأبعاد الأفقية.
ولقد كان الـ جي بي إس (GPS) عامل توحيد ولمّ
شمل لتقنيات الهندسة المساحية المختلفة. فهو في المساحة المستوية، وفي المساحة
الجيوديسية، وفي المساحة التصويرية، وفي الاستشعار عن بعد، وفي كلِّ أعمال هذه
الفروع التفصيلية الأخرى، وذلك لمزاياه التي ذكرنا بعضها، ولكون قياس الإحداثيات
هو عامل مشترك بين كلِّ هذه الفروع. من أجل ذلك، فإن أكثر فروع الهندسة المساحية
استفادة من الجي بي إس هو الجي أي إس (GIS) كونه – أي الجي بي إٍس- وحَّد إلى حدٍّ ما طريقة قياس معطيات فروعٍ
مختلفةٍ من العلم تترافد وتتضافر لتكوِّين نظم معلومات جغرافية أكثر ما يعوزها هو الانسجام
والتناغم بين كثيرٍ من جزيئاتها، وبالله التوفيق.
أ. د. ظافر بن علي القرني
أستاذ هندسة علوم المساحة
جامعة الملك سعود – الرياض
8/5/1426هـ