هذه جزء من مقابلة مع جريدة الجزيرة الثقافية سألني فيها الأستاذ
على القحطاني عن بعض القضايا الثقافية، فأجبته باختصار:
س: حدثنا عن نشأتك الأدبية، كيف كانت؟
جـ:
يبدع الشعر، في البيئة التي ينشأ فيها الشاعر العربي، بطرق مختلفة عن الشعر الذي يكتبه
وينشره. فشاعر الفصحى منا دليله دواوين الشعر المكتوبة، وعليه أن ينتظر إلى أن
يجيد القراءة والكتابة ويتعرَّف على نمط الشعر الذي كان متداولاً في الأزمنة
العربية الغابرة ثمَّ يقلده ويبدع مثله، أو يتجاوزه وهذا شبه مستحيل. ولو أنه نشأ
في بيئة يسمع فيها هذا الشعر من صغره لأتى بما لم يأت به المتنبي في عصره. ولو أن
المتنبي نشأ في البيئة التي ينشأ فيها شاعر اليوم، لما توهج في شعره هذا التوهج
وسارت بشعره الركبان. ولذلك فالشعراء الذين يبدعون الشعر على نمط ما يسمعونه في
بيئتهم، يجيدون فيه أيما إجادة. والذين يبدعونه على نمط ما يقرأونه في الكتب قد
يجيدون فيه حينًا ويخفقون أحيانًا وهذا هو المشاهد الملموس. والسؤال هو كيف نعيد
البيئة الأولى إلى الحياة، ومَن مِن المعاصرين نجد عنده وصفًا وافيًا لتلك البيئة
التي نجهلها على الرغم من قربها الزمني منا.
أما
عن نشأتي الأدبية، فنما الشعر معي منذ الصغر. والذي أذكره أنني كنت أحفظ بعض
الأهازيج التي يرددها أهل القرية في أعمالهم الجماعية، بمجرد سماعها للوهلة
الأولى، وأرددها معهم فينهرني الوالد بعنف ويسكتني. ولا زلت أحفظ بعض أبيات دندنت
بها على نمط تلك الأهازيج الجميلة التي أختفت بإختفاء التعاون والتكافل. وكانت
بدايتي على نمط الشعر المسموع في بيئة القرى، ثمَّ نظمت القصائد الفصيحة حسب
القدرة في المرحلة المتوسطة – بعد الاطلاع على المكتوب من الشعر- ثمَّ في الثانوية
كذلك، وشُجعت كثرًا من قبل مدير المدرستين أنذاك الأستاذ محمد سعيد بالريش رحمه
الله. ونشر لي في بعض الصحف في ذلك الوقت. ثمَّ حاولت الإبتعاد عن الشعر قليلاً في
المرحلة الجامعية بحكم ما تتطلبه هذه المرحلة من جهد، وإن كنت شاركت بقصيدة في آخر
سنة في الهندسة ففازت على مستوى الجامعة بجائزة في النشاط الثقافي عام 1403هـ. وفي
أمريكا كانت مرحلة الكمون والتكوين في آن واحد. فأمريكا هي بلد الإبداع، وإن
أختلفنا معها في أمور كثيرة.
س:
هل لك أن تعرف القارئ على بعض مواضيع دواوينك التي أصدرتها إلى الآن؟
جـ:
الديوان الأول فيه قصائد كتبت في أمريكا، كأنها تلمح لما يحدث الآن. وفيه عن
التقنية المفقودة، وفيه عن الوطن، ويكفي أن عنوانه هو: " الوطن البعد الذي لا
يقاس". وديواني الثاني "الإنسان ذلك الشيء" فيه بعد إنساني فلسفي،
قد أكون اقتربت فيه بعض الشيء من الإنسان ذلك المجهول. أما ديواني الثالث
"ثمار الإنهاك" فهو يحكي واقع الأمة المزري في عصرنا هذا. فلقد أنهكنا
بما فيه الكفاية، فكيف تتوقع أن تكون الثمار. ولو لم يكن لي من أشعاري إلا عناوين
دواويني وعناوين بعض قصائدي لكفتـني. ولك أن تطلع على قصائد مثل: "الحلم بين
الأحلام حقيقة" ، و "رمضان: الضيف الذي يجلب القوت" ، و"شظايا
من جسد المواءمة" ، و"حديثٌ على مصب الرمل" ، و"ضلال
اللغة"، و"جفاف الينابيع"، و"حلمٌ لم تقطعه اليقظة"،
و"نواميس في هجعة الفكر" ، و"وشمٌ على كفن السَّلام"، وغيرها
من القصائد. والمرء لا يدعي أنه حاز من الإبداع شيئًا، فالإبداع فضاء لا حدود له.
*وكان
جلَّ الحديث مسجَّلاً ولم يكتب، لذا سأورده كاملاً هنا عندما أعثر عليه من الصحيفة
التي فقدتها.