كونا

هذه مقابلة مع وكالة الأنباء الكويتية نشرت في حينها.

 

س1: كيف تنظر إلى واقع الأدباء والمثقفين الخليجيين في العصر الحالي؟

 

جـ1: إنه واقع مزرٍ. فكثيرٌ منهم يتخبط في بحرٍ لجيٍ من الأوهام والتصورات التي ما تلبث أن تبور بين يديه أو قل تتهاوى واحد تلو الآخر. فعلى سبيل المثال تجد منهم من كان لا يرى صلاح حال الأمة إلا من خلال منهجٍ قومي تسيطر عليه الأهواء والرغبات التي لا تكون بالضرورة معبرة عن رأي الأخر من بني جلدته. ولما عرف كساد هذا النهج انزوى ذلك الأديب وخفت صوته، فلا هو يريد أن ينكر على نفسه ما ضيع من وقته وجهده، ولا هو قادرٌ بفعل اقتناعه بفساد منهجه على مواصلة الجهاد في سبيله. وتجد منهم الاشتراكي الذي كان لا يرى صلاح العالم إلا من خلال الاشتراكية التي هلكت وبقي يقلب كفيه على ما فرط فيه من وقت وجهد لا طائل من ورائهما. وحاله الراهنة كحال صاحبه السابق إن لم تكن أسوأ. وكان هناك - إلى عهد قريب جدًا – ثالثٌ ينظر إلى صاحبيه شزرًا  ويتباهى بثبات منهجه اللبرالي المستند على القوة العظمى في العالم ذات السبيل الراشد من وجهة نظره، ولما بدا عوار هذه القوة الطاغية وظهرت صفاتها القبيحة التي تنافح من أجلها بأوجه شتى، ساخ هذا الثالث في مكانه وود أنه مات قبل هذا وكان نسيًا منسيا. ومن بقي صامد من هذا الصنف الثالث وتجرأ على أن يقول شيئًا قال ما يصدق عليه قول الله تعالى: " ما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين". وتظل الأمة بحاجة إلى الأديب المثقف الذي يعلم علم اليقين أن لا صلاح لهذه الأمة إلا بالأخذ بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. وإن قيل أن هناك من هو على هذا النهج، فهذا صحيح لكن المثقف الخليجي بصفة عامة تخالط أفكاره إقليمية ضيقة تفسد في كثيرٍ من الأحيان جهده وجهد من يريد معرفة إبداعه. فإن قيل أتقول أن ليس في أدباء الأمة ومثقفيها خير؟   قلنا لو أن خيرهم ظاهر لما كانت الأمة في الحضيض منذ مئات السنين.   

 

س2: إلى أي مدى استطاع الأدباء والشعراء الخليجيون توظيف إبداعاتهم الأدبية والفكرية في خدمة القضايا السياسية والاجتماعية؟

 

جـ2: لا أرى أنه استطاع الأدباء والشعراء الخليجيون توظيف إبداعاتهم الأدبية والفكرية في خدمة القضايا السياسية والاجتماعية لعدة أسباب منها:

 

1. أن السياسة شبه محظورة على الشعراء والأدباء وإن اقتربوا منها أتوها على استحياء ورضوا من الغنيمة بالإياب.

 

2. أن من يفهم الشعر من الأمة قليل جدًا، ولذلك الإقبال عليه ضعيف، وما ذاك إلا لضعف في تكوين الإنسان الثقافي والعلمي واللغوي.

 

3. أن الأديب والشاعر خاصة لا يملك المنبر الذي يخرج منه إلى الناس، فما هي أمسية في السنة، أو ندوة يحضرها خمسون مثقفًا، أو ندوة في منزل، روادها محدودون.

 

4. أن المردود المالي من المساهمة والعطاء لا يغطي نفقات بعض الجهد، فلماذا الإرهاق والسهر.

 

5. كيف لإبداع لا يزال يرزح تحت وطأة الإقليمية الضيقة أن يخدم قضايا سياسية واجتماعية على مستوى أكبر.

 

س3: يعتقد البعض أن الشعر الملحمي أو ما يسمى بشعر الأزمات في الدول الخليجية لم يعد بذات المستوى الذي كان عليه في السابق ... ما تعليقكم؟.

 

جـ3: المقارنة بين الماضي المنغلق والحاضر المنفتح على ثقافات وتوجهات أخرى ظلم للشعر والشاعر معًا.  فلا أرى أن مستوى الشعر ضعف الآن بعد أن كان قويًا في السابق، إنما الذي حصل أنه كان لشاعر الماضي القريب بيئة محصورة قد تسعد وتتأثر بقصيدته ولا يناله من خلالها إلا السعد والرضى. أما الآن فبيئة القصيدة مهيأة أن تكون أكبر وأوسع وقد يلقى الشاعر بسبب هذا الاتساع العنت لأكثر من سبب. فقد يكون حصل الإحجام عن هذا النوع من الشعر لهذا السبب أو لغيره والله أعلم.             

 

س4: ما دور شعراء الملاحم في زيادة تفاعل الشعوب العربية مع التحديات التي تواجهها بخاصة قضية الشعب الفلسطيني؟

 

جـ 4: دورهم عظيم إذا أخلصوا النية، وكان العمل متميزًا، وأمكنهم إيصاله إلى من يهمه شأن تلك القضية، فالإنسان آلة تحركها الكلمة. 

 

س5: إلى أي مدى يمكن أن يسهم الأدباء والشعراء الخليجيون في تعزيز مسيرة الوحدة التكاملية بين الشعوب الخليجية؟.

جـ 5:  أولا قبل المساهمة يجب أن يستشعر هؤلاء الشعراء والأدباء ضرورة الوحدة التكاملية بين الشعوب الخليجية في كافة المجالات ذلك أنه لا مكان في عالم اليوم للكيان الصغير الذي لا قوة له ولا غلبه. إذا اقتنعوا بهذا جاء إبداعهم تبعًا لما اقتنعوا به. وما عدا ذلك لا يعدو أن يكون تكلفًا سمجًا تكذبه المجالس الخاصة والأفعال المؤثرة المشهودة.

 

س6: ما الذي يحتاج إليه المبدعون والشعراء الخليجيون لتوسيع مشاركتهم في الأنشطة الأدبية والثقافية؟.

 

جـ6: هم بحاجة إلى عدة أمور من أولها المال، ومنها المنبر المشرع لإبداعاتهم، واللقاءات الدورية التي تجمعهم، والدوريات والكتب التي تنشر أبحاثهم وعطاءاتهم، وهم بحاجة ماسة إلى نبذ الحسد ومؤازرة بعضهم بعضا قبل أن يندثروا.

 

س7: ما هي التحديات التي تواجه الأدب والثقافة الخليجية في ظل العولمة؟.

 

جـ7: التحديات آتية من عتو من ابتدع العولمة وسعى إلى جعلها واقعًا معاشًا. فالعولمة سببت وستسبب من الحرج والإرهاق لمن يسير خلف القافلة قدر ما أوجدت من الحرية في الكلمة والفكر. وأود هنا أن أكتفي في الإجابة بنص قصيدة كتبتها في العولمة ونشرتها في ديواني "الإنسان ذلك الشيء". فهي من وجهة نظري شافية وافية، تقول القصيدة:

 

كيف لي أن أرى ما يرون

ومن دونه ظلماتٌ وأوديةٌ موبقةْ

 

إنني داخل الشرنقةْ

أو كما قال من قال

في البوتقةْ

 

وأنا بي من الشوق،

ما بي من الجهد من حالةٍ محدقةْ

 

إيه هل يستوي واقفٌ

عند بوابة المكرمات

ومن عند فوّهة البندقةْ

 

صاحب الأمس

خصم تخاتلهُ المغريات

وتوشك أن تستبيحَ الثّقةْ

 

والملمات لو أكلت بعضنا

وتلهّت به هي في بعضنا جنّةٌ مورقةْ

 

اجتذبنا العرى كلها:

عروة الأرض والمال والآل،

ولم نمسك العروة الموثقةْ

 

وطوينا بها بيرق الحلم

والعلم والحزم والعملقةْ

 

وأخو الجهل من خلفنا

حاشدًا ما طوى بيرقهْ

 

جال جيل الهوى،

أُشرب الوهن حتى تردّى به

وإذا صحت، صاح:

أيا صاحب الصوت

ما عاد هبـنقةٌ هبنقةْ

 

عَالمٌ مُطرقةْ،

وبها -بعد سبر المدى-

صاحب الفضل من لم يخن رونقهْ

 

وبـها ما ترى،

صاحب النّحل ما عاد يمتار من نحلهِ

زارع التين ما عاد يجني لهُ

فاجن ما شئت يا صاحب الغردقةْ

 

عالم مُرهَقةْ

تتجلّى به قوةٌ مزهقةْ

تجعل المرء في لحظةٍ يجتوي فيلقهْ

 

فإذا ما تـهادوا إليه

على زورق لا يزلّ به طرف الضحلِ

أغروه بالبحرِ ساقوه،

شدوا على كفهِ شاكلوهُ،

وأعطوه خارطة الاتجاهِ

وبوصلة الانحرافِ

حتى إذا ما تماهى مع الموج

منتشيًا خطفوا فجأةً- زورقهْ

 

وإن لمحوا من يراوده طيف تجربةٍ

أنجزوا مثلها، أو إلى مثلها يرملون،

على عينه سرقوا زئبقهْ

 

وإمّا رأوا جبلاً شامخًا

حفروا حوله خندقهْ 

 

أمةٌ مطبقةْ

تمورُ بأقمارها في السماء

وتَحظر أن تُصنعَ الملعقةْ

 

بـها صاخبٌ نفسهُ محنقةْ

عليك بأن تملأ الأرض سعيًا

وإياك إياك أن تلحقهْ

 

سلام على الأمةٍ المشفقةْ

المحاريب تنقضها الكلماتُ

إذا لم تخرّ من الويل،

أو خمدت ناره المحرقةْ

 

ذاك ظلمٌ يضيق به الظلم،

يرتد منه الردى، ويرتاب منه ذوو الزندقةْ

 

فهل يوشك العدل أن يمحقهْ

 

أنت في عالم الصمتِ رغم الضجيج

النواميس تمضي وقفت لها أو مضيت

فما ضرّ لو سرقوا الحملقة.

 

 

د. ظافر بن علي القرني

أستاذ الهندسة المساحية ونظم المعلومات الجغرافية

جامعة الملك سعود

 

صاحب ديواني: الوطن البعد الذي لا يقاس والإنسان ذلك الشيء، وكتاب تجربتي مع التدخين من القرية إلى القرية وغيرها من المؤلفات.

 

 

 

 

 

 

 

 

عدد زوار الموقع

جميع الحقوق محفوظة 1426 هـ