البيئة التعليمية وأثرها على التعريب
د. ظافر بن
علي القرني*
م. عائض بن
علي القرني**
*جامعة الملك سعود -كلية الهندسة –القسم المدني
الهندسة
المساحية ص. ب 800 الرياض
ت. 4677003
و 4677008
**مدينة الملك
عبد العزيز للعلوم والتقنية
معهد بحوث
الطاقة، ص.ب. 6086 الرياض
ت. 4883444/
1434
التعليم عملية مهمة تتأثر بالبيئة المحيطة وتأثر
بها بشكل متّصل. والبيئة المحيطة ليست بيئة واحدةً بل بيئات متداخلة متشابكة، يمكن
النظر إليها من منظور اجتماعي، أو سياسي أو ثقافي-تعليمي. ولا يمكننا هنا الإحاطة
بهذه البيئات الثلاث من كل جوانبها كما لا يعنينا كثيرًا علاقاتها ببعضها ولا طرق
تصنيفها المختلفة. إن الذي يهمنا، إذن، هو النظر في البيئة الثقافية -التعليمية
من حيث أثرها على التعريب خاصة في المملكة العربية السعودية. وحيث أن الثقافة أشمل
من التعليم، وهي عليه معتمدة فنسميها البيئة التعليمية. ولحصر النقاش في هذه
البيئة أسباب منها أن البيئة التعليمية هي من أكثر هذه البيئات الثلاث نشاطًا
وعطاءًا وحركةً بحكم عدد المهتمين بها من معلمين ومتعلمين وعاملين. بل يمكننا
القول أن البيئتين الأخيرتين تعتمدان على معطيات البيئة التعليمية وتتأثران بها
أسرع مما تؤثران فيها. إذن سنناقش تأثير البيئة التعليمية في التعريب من ثلاثة
أوجه، هي الأسباب (الوسائل)، والتعامل والنّاتج (المحصلة) ضاربين بعض الأمثلة على
ما نقول من البيئة التي نشأنا فيها.
1: المقدمـة
الأمم يأخذ بعضها من بعض كما هو الحال في حياة
الأفراد. ولم يحصل لأمة من الأمم أن تصدرت العالم في التقدم الحضاري في كل العصور.
هذا ما هو مشهود وملموس عبر التاريخ. والأخذ من الأمم الأخرى يلزمه فهم لسانهم
التي يتحدثون بها لتعرف مقاصدهم وحدود تعريفاتهم للأشياء التي ينتجونها ويتعاملون
بها ومن خلالها. وهذا الفهم لا يتأتى للمعني به وللمتلقي من بعده من الأمة دون علم
على هدى ومعرفة راسخة واستعداد للعطاء. والعلم يلزمه عملية تعليمية مثمرة ومفيدة.
والمرء لا ينشأ معربًا للعلوم دونما تعليم مثمر ناجح. لذا أنصب اهتمامنا في هذه
الورقة على العملية التعليمية من حيث هي بيئة مثلها مثل البيئية الاجتماعية
والسياسية. والثقافة تقتات من التعليم بطرق مباشرة وغير مباشرة فهو أساس في نموها
لا غنى لها عنه. ولذلك لم نقل البيئة الثقافية وإنما حصرناها في التعليمية.
سنتطرق في هذه الورقة لمحاور ثلاثة في البيئة
التعليمية هي: الأسباب ونعني بها وسائل التعليم المختلفة التي تحصل بها وعن طريقها
الفائدة العلمية، والتعامل الحاصل بين أطراف العملية التعليمية من مدرسين وطلاب
ومجتمع، والمحصلة أو الحصيلة النهائية المرجوة من العملية التعليمية، مركزين القول
على البيئية في المملكة العربية السعودية مسترشدين بمناهجها وبقدرات طلابها
الملموسة وبالتجربة التي مررنا بها خلال مسيرتنا العلمية. على أننا لن نغطي كل
جوانب المراحل التعليمية ولا بعضها بطبيعة الحال، بل سنقتصر على ما تيسر لنا من
ملاحظات على طريقة التعليم في المرحلة الابتدائية إذ هي الأساس الذي تبنى عليه
المراحل التعليمية الأخرى.
2: أسباب التعليم أو وسائل
هناك عدد من الوسائل المتضافرة المتكاملة
المتباينة في أهميتها ومكانتها التي توظف في توصيل المعلومات إلى الطلاب في شتى
المراحل التعليمية. من هذه الوسائل المدرس (المعلم) والمقرر ووسائط تقنية متغيرة.
وسنأتي على شرح موجز ومناقشة مختصرة لكل وسيلة مما ذكر.
أ: المعلم
من المعلوم أن الطفل يكوّن حصيلته اللغوية
الأولى من بيئة والديه. فيتعرف على أسماء الأشياء من حوله ويقلد من يحيطون به في
لغتهم وألفاظهم ومصطلحاتهم. ومن المفروض أن تتنامى هذه العملية التعليمية في
المدرسة وتستمر على المنوال الذي عهده الطفل. والذي يحدث في كثير من الأحيان هو
اصطدام الطفل بواقع لم يألفه فالمدرس من بيئة غير بيئته هذا إذا لم يكن من دولة
غير دولته. إذن نقول باختصار أن من الأفضل أن يكون المعلم في السنوات الأولى من
حياة الطفل من منطقتة ليفهمه ويعرف أغراضه ومراميه ولكي لا يقع التصادم اللغوي بين
طرفين قد يكونا فصيحين دون علمهما. ففي كون المعلم من بيئة غير بيئة الطفل ما فيه
من الحرج للطفل حيث يسمع لهجة لم يتعود عليها ويسمع كلمات لم يسمع بها من قبل.
والأدهى من كل هذا أن يستهزأ به في لغته التي قد تكون صحيحة لجهل المعلم بها، إذ
الطفل معذور فيما يجهله من لغة المعلم. من الأمثلة على هذا لفظا سكين وشفرة. يقول
الله تعالى في القرآن الكريم على لسان امرأة العزيز {وأعتدت لكل واحدة متكأً وأتت
كل واحدة منهن سكينًا} [1]. وقول الرسول صالى الله عليه وسلم فيما قال في آداب
الذبح (وليحد شفرته). بالرغم من كون اللفظان فصيحين، إلا أنك تجد أحدهما مستخدمًا
في ناحية أكثر من الآخر والعكس صحيح أيضًا. ومن هنا قد ينتقد أحد اللفظين من قبل
من لا يعرفه أو من لم يألف عليه وهذا مشهود بالتجربة.
ب: المقرر
فعن المقرر نقول لابد أن يرعى في المقررات
قدرات الطلاب التي تكتب من أجلهم. فالمعلومات المتقدمة التي لا يمكن للطفل تصورها
تثير في نفسه تساؤلات كثيرة قد يعجز مدرس المادة أن يجيب عنها. وقبل ضرب الأمثلة
من المقررات الحديثة نعود عقد إلى الوراء فننظر في كتاب المنهاج الجديد في قواعد
اللغة العربية وتطبيقاتها للصف الخامس الابتدائي عام 1407(1987م): أورد المؤلفون
في صفحة 213 قولهم: "تتنافس الدول الحديثةُ في اقتناء الطائرات، لفوائدها
الجليلة، فبها تهزم الأعداء هزيمة منكرة وقت الحرب، وفي أيام السلم تنقل
المسافرين، وتحمل الرسائل والبضائع، وتستخدم في مقاومة الحشرات الضارة" [2].
ومضار هذه القطعة أكثر من فوائدها. فهي لم تربط الطفلة ببيئتها بل تكلمت عن بيئات
لم ترها الطفلة كالدول الحديثة والحرب والأعداء والهزيمة المنكرة ومقاومة الحشرات
الضارة. ثمّ أنها تثير لدى الطفلة ذات العشر سنوات عدة تساؤلات عن ماهية الطائرة
وحجمها وكيفية قدرتها على إنجاز هذه الوظائف المختلفة وربما صورت الطائرة لها
بأنها أمر عجيب غريب لا يمكننا عمل مثله وغير ذلك مما يمكن تصوره. ماذا لو كان
المثال عن السيارة ونقلها النّاس وبضائعهم، ألا يكون أجدى.
وفي صفحة 24 من الكتاب نفسه في الكلام عن المفرد
والمثنى والجمع: أن "الجرادة حشرة مؤذية" هكذا بدون تخصيص. وهذه معلومة
غير دقيقة فالجرادة غير مؤذية بنفسها ولا تؤذي أحدًا مطلقًا، بل قد تكون مفيدة
لأناس كثيرين. فاباؤنا وأجدادنا استخدموها غذاءً لهم في أيام الفقر والمجاعة. وكون
الجراد إذا تجمع بشكل كبير استطاع أن يفتك بالمزارع طلبًا للغذاء، لا يجعل من
الجرادة حشرة مؤذية لوحدها. فالقول بأن الجرادة حشرة مؤذية جملة تثير شيئًا من
القلق لدى الصغار الذين لم يعرفوا عنها إلا كل خير.
وإذا نظرنا إلى بعض المقررات المستعملة في
التدريس الآن نجد البون شاسعًا بينها وبين ما سبقها من حيث قربها من مستويات
الطلاب ومن حيث اختيارها للمواضيع المناسبة ومن حيث طريقة عرض المعلومات للطلاب
بشكل عام. وهذا يدل بشكل قاطع على أن المسؤولين أدركوا عدم ملائمة كثير من مواضيع
المناهج السابقة لمن تدرس لهم فقاموا على تعديلها وتطويرها كما هو مشاهد. وبطبيعة
الحال فالجهد البشري تكاملي الطابع ولا يمكن له الوصول بصاحبه إلى الحالة المرضية
التي لا طموح لأفضل منهاا. وعلى ذلك تجد في المقررات الحالية ما يمكن التوقف عنده
و التساؤل عن جدواه. من مثل ذلك، في كتاب قواعد اللغة العربية للصف الرابع
الابتدائي لعام 1418هـ تجد قول المؤلفين "وقد قامت الدولة بتحلية المياه………. إنها في حاجة إلى الغيث، به تكثر المياه الجوفية، وتنتشر العيون
والآبار……….." [3]، ص60. فهل يستطيع الطالب أن
يستوعب مفهوم تحلية المياه ومعنى المياه الجوفية في هذا السن. وماذا لو قيل قامت
الدولة بتوفير أو جلب مياه البحر إلى المدن بدلا من تحلية المياه، وقيل بدلاً من
المياه الجوفية المياه في باطن الأرض أو في داخل الأرض أو غير ذلك مما يناسب مفهوم
التلاميذ في هذا السن. ثمّ إذا ما ترقى الطالب في الفهم وتقدم في سنوات الدراسة، قدمت
له المصطلحات التي تجمع شتات مفاهيم سبق أن عرفها.
وفي كتاب قواعد اللغة العربية للصف السادس
الابتدائي (الفصل الدراسي الثاني) [4] يقول المؤلفون فيه: يذكر التاريخ أن أهل
الصين كانوا يعرفون البريد …… وقد أنشأ عمر بن الخطاب ديوانًا يسمى ديوان
البريد …. ص 17. وفي ص 68 تقرأ " بالعلم توصل
العلماء إلى غزو الفضاء، فاخترع الصاروخ ثم القمر الصناعي، ثم سفن الفضاء…." ومثل ذلك في موضوعي التنمية الزراعية بالمملكة والثروة
السمكية ص 86 و ص 88 على التوالي. فمنهم أهل الصين بالنسبة لطالب الصف السادس وفي
أي فترة عاشوا. ثمّ ماذا سيفهم من كلمة ديوان الواردة في النص. وماذا نفيده بكلمات
مثل غزو الفضاء القمر الصناعي وسفن الفضاء في وقت قد لا يكون ملمًا بما حوله من
ظواهر طبيعية ومعلومات ضرورية في بيئة ثرية بها.
ونأتي إلى كتاب القراءة والأناشيد للصف الثاني
الابتدائي (الفصل الثاني الطبعة السادسة 1418هـ [5]، فتجده في القصص التي يوردها
يأتي بأسماء جديدة قد لا تكون مألوفة لدى كثير من التلاميذ كحازم وهشام وأيمن
وغيرها. وكأننا نقول له أن القصص التي تقراؤها لم ولن تحدث لك أو لغيرك ممن هم
حولك وإنما هي لبيئة غير بيئتك. وقد نكون بهذا الأسلوب قد عزلنا الطالب عن واقعه
وصرفناه إلى واقع آخر غير مفهوم بالنسبة له. لا ينبغي لنا أن ننسى أننا نتكلم إلى
طفل لا يستوعب إلا ما حوله، فيجب علينا تقريبه له، وضرب أمثلة له منه بقدر
المستطاع. ومن أحسن من يجيد التعامل مع الأطفال من لم ينس طفولته، أما من نسيها
فهو جدير بالإجحاف في حقهم مهما حاول الإنصاف وأجتهد من أجله.
ولا يمكن لنا أن نأتي على جميع المقررات، كما أن
ذلك ليس من هدفنا، لكن من الممكن أن نشير إلى بعض المصطلحات المستعملة بكثرة في
كتب الدين كمصطلح لغة واصطلاحًا، أو لغة وشرعًا أو كلمة الشاهد في الحديث وغيرها
من الكلمات المماثلة، انظر [6] للاستزادة في هذا الشأن. يمكننا أن نتساءل ماذا
يمكن للتلميذ في المراحل الابتدائية أن يفهم من هذه الكلمات المتخصصة الدقيقة.
ج: وسائط تقنية متغيرة
كما تتطور مقررات التعليم كذلك وسائل عرضها.
ولقد تنبهت وزارة المعارف إلى أهمية تطوير وسائل نقل المعلومة بما يتلاءم ومستجدات
العصر وفكر الطلاب وقدرات المدرسين. لذلك ترى مادة الحاسب الآلي مدرجة ضمن المناهج
التي يدرسها الطالب. والمأمول أن لا يحصر الطالب على التطبيق فقط بل يشجع على
الإضافة والابتكار والتوسع في التعامل مع الحاسب الآلي في مثل البحث عن المعلومة
بشتى أنواعها والتواصل مع الشبكات الأخرى المتاحة. كما لا ينبغي حصر الطالب على
الاستخدام العادي للحاسب بل يسمح له بالاطلاع على محتوياته من الداخل إذا ما شاء
ذلك، بل تنبغي مساعدته على فهم مكوناته وطريقة تركيبه وعمله إن أمكن. ويمكن أن
توظف الأجهزة القديمة لهذا الغرض ولغيره من الأغراض. فالهدف هو جعلنا منتجين
للتقنية موجهين لها، لا مستخدمين لها موجهين بها كما هو الحال الآن. ثم لا يخفى
علينا ما تحرزه الآلة من تقدم مطّرد في المجالات العلمية والعملية كافة، إذ هي
توشك أن تحلّ محل الإنسان في كل ما تعود إنجازه من قبل بما في ذلك الترجمة الفورية
كما هو مشهود اليوم.
3: التعامل في التعليم
هناك عدد من العناصر أو الأطراف التي يتم
التعامل بينها في البيئة التعليمية. وما يهمنا هو التعامل الحاصل بين الطالب من
جهة والمقرر والمدرس والطلاب والمجتمع (البيئة) من جهة أخرى. فعندما يكون الكتاب
فوق قدرات الطالب الذهنية أو عندما يعني ببيئة غير بيئته فإنه ينعدم التعامل
المرغوب بين الطالب وكتابه. والوضع الطبيعي أن يكون الكتاب ملائمًا لقدرات الطالب
ومستشهدًا بأمثلة من بيئته ما أمكن، وعارضًا الحلول لمشاكل ملموسة للطلاب.
وإذا لم يكن المدرس من بيئة الطالب في السنوات
الأولى من تعلمه أصطدم الطالب بلغة جديدة عليه ونما في نفسه النظر إلى المدرسة
والمنزل على أنهما بيئتان مختلفتان لا رابط بينهما. وما يحدث ذلك إلا لاختلاف لغة
المنزل عن لغة المدرسة التي يتكلمها المدرس. من هنا تختل العلاقة بين الطالب
ومدرسه ومن ثمّ بينه وبين البيئة من حوله (الطلاب في المدرسة والبيت والقرية أو
المدينة) اختلالاُ مبكرًا لا تأتي السنون على تداركه مهما امتدت.
أما فيما يخص التفاعل بين الطلاب أنفسهم فلا
يكون العلم هو الشاغل الحقيقي لهم، إذ لا متعة فيه لهم ولا رغبة منهم في الاستمرار
في تكلفه ووعيه. ومثل هذا يقال عن المجتمع، فإذا أبعدت الكتب المقررة والمدرسون
الطلبة عن بيئتهم وعلقتهم بأوهام وأوهمتهم أن العلم يحدث تفاعله في بيئة غير
بيئتهم، خرجوا منفصلين عن هموم المجتمع لا يتوقعون إن يطلب منهم مشاركة أو أن
يُسألوا في أمر من أموره. فهو مجتمع لا يعرفون مكوناته ولا مشاكله ولا احتياجاته
ولا يتصورونه حق تصوره فهم لم يبصروا به من قبل. وإذا اختلت العلاقة بين الطالب
والمدرسة للأسباب السابقة فلا يرجى لها أن تكون متسقة بين المدرسة وأولياء الأمور
إذ الخلل الحاصل أكبر من أن يساهم أولياء الأمور في تقويمه.
4: المحصلة أو الناتج
من المعروف أن ناتج العملية التعليمية كغيرها من
العمليات هو مبني في الأساس على أسبابها أو وسائلها، ومدى التفاعل الحاصل فيها بين
أطرافها المتعددة، انظر الشكل (1). فإذا لم تكن الوسائل كما ينبغي، فالتفاعل كذلك،
وعليهما تبنى المحصلة. ونحن لا نتكلم هنا عن الإيجابيات الحاصلة في التعليم، فهي
كثيرة لكننا نتكلم عن السلبيات أو ما يقود لها وما يمكن أن تقود إليه. فمن المحصلة
التي نجنيها إذا اختلت وسائل التعليم وانعدم التفاعل بين أطرافه ما يلي:
1. انتزاع الطالب من بيئته وتعليقه في بيئة أخرى وهمية يترتب عليها
عدم الاكتراث بالمعلومات التي يتلقاها أو النظر إليها بعين الشك والارتياب في أحسن
الأحوال.
2. فصل التعليم عن البيئة ومن ثمّ زرع عدم الأيمان بجدوى التعليم في
تحسين ظروف الحياة في البيئة المحيطة، ومن ثمّ التعويل على الآخر وتعويد النفس على
انتظاره ليقوم بحل المشاكل التي تخصنا لأننا لا نفهمها ولا نتقن التعامل معها.
3. عجز الجيل المتخرج في أن يعرب العلوم كما ينبغي فهو عاجز عن فهم
العلم المدون بلغته فضلاً عن أن يفهم علوم الآخر وينقلها إلى أمته. وهذه نتيجة
مباشرة لسوء التعليم.

5: الخلاصة والمقترحات
لا شك في أن التعريب يعتمد في أسسه على العملية
التعليمية التي يتدرج في مراتبها المعني بالتعريب منذ الصغر. وما لم تكن الأسس
متينة راسخة فلن يقر الفرع مهما علا وتطاول. لذا أنصب اهتمامنا هنا على البيئة
التعليمية وما يكتنفها من أمور حرية بالإيضاح. لقد أشرنا إلى أهمية حسن التعامل مع
النشء منذ السنوات الأولى، وتطرقنا إلى المعلم وما يجب عليه، وإلى المقرر وما فيه
من أمور يستحسن مناقشة واضعيها فلربما كانوا على حق. وتوقفنا عند وسائل التقنية
المتغيرة وحببنا في بذلها للتلميذ منذ الصغر دون دفعه إليها قسرًا، وضربنا
الأمثلة بشيء من الاختصار منعًا للإطالة لكن بما يحقق الهدف ويوضحه.
ونريد في نهاية هذا الورقة أن نختم ببعض
المقترحات التي نرى أهميتها:
1. محاولة جعل الفروقات اللغوية بين المنزل والمدرسة قليلة في نظر
الطفل في سنواته الأولى، ومحاولة عدم إشعاره بسوء لغة المنزل –حتى لو كانت سيئة- وحسن
لغة المدرسة –حتى لو كانت
حسنة- فتلك زعزعة لثقته في نفسه وبيئته التي نريد منه لاحقًا المشاركة في بنائها.
ويمكن عمل ما يلي لتحقيق هذا الهدف:
· جعل منهج السنتين الأولين أو الثلاث الأولى لصيقة ببيئة التلميذ
ومتحدثة عن أشياء يراها في حياته اليومية فلا نضرب أمثلة بصيد الحوت لمن يعيش في
الصحراء ولا بسعة الصحراء لمن يعيش في المدينة مثلاً.
·
جعل مدرس التلميذ في سنواته الأولى من بيئته،
وذلك لكسر الحواجز اللغوية إن وجدت، وتقليل الفروق بين لغة المنزل ولغة المدرسة.
2.
إيجاد الحوافز والمميزات بين المدرسين بناء على
قدرة الواحد منهم في تفعيل العملية التعليمية وتشجيع الطلاب على التعبير عما يجول
بأنفسهم أمام المدرسين وأمام والديهم عند الرجوع إلى المنزل، وترغيبهم في المشاركة
في العمل الجماعي، وتزهيدهم في الانطواء على أنفسهم بقدر المستطاع.
3.
محاولة معرفة الفوارق اللغوية بين الطلاب وتنمية
قدرات الموهوب منهم وحث الآخر على التعلم، والاستماع إلى لغة الأطفال وعدم
الاستهزاء بها في مراحلها الأولى فمن هنالك تكون البداية في إتقان اللغة وحبها ومن
ثمّ تطويرها وتطوير العلوم بها في المستقبل.
4.
جعل
المناهج في سنوات الأولى من المرحلة الابتدائية منهجًا واحدًا متصلاً وعدم فصله
إلى مطالعة وتوحيد وفقه وحساب وغيرها، ذلك لعدة اعتبارات منها، أنه لا جدوى من
مفاجأة الطفل بهذه التخصصات في هذه السن المبكرة، فما يهمنا هو تعليمه القراءة
والكتابة على أسس سليمة، ومنها أن العلم في الأصل كلٌ متكاملٌ لا يجزأ وإنما نسعى
إلى تجزئته لعجز المرء في استيعاب كل شيء من حوله، فلماذا نعاجل التلاميذ بهذه
الصفة ونشعرهم أن المناهج منفصلة لا متصلة ونملي عليهم رغبات قد تحددها قدرات
المدرس أكثر من محتوى المقرر نفسه.
5.
وما
يمكن قوله عن المقررات يقال عن المدرسين في تلك المرحلة، فقد يكون من الأجدى للطفل
التعامل مع مدرسٍ أو مدرسين على الأكثر خلال سنواته الأولى فكثرة المعلمين في
عينيه ككثرة المقررات، والله أعلم.
6.
وقد
يكون من الأجدى توحيد مناهج تعليم القراءة والكتابة في السنتين أو الثلاث الأول
لكل من البنين والبنات تسهيلاً على البيت في التعامل مع الجنسين وتيسيرًا على
الأطفال أنفسهم بنين وبنات عندما يناقشون دروسهم في منازلهم، ما لم يكن في ذلك خلل
تربوي يعرفه المختصون.
نقول هذه المقترحات عن التعليم وبيئته لأن التعريب ثمرة من ثماره، وما لم تكن
الشجرة طيبة المنبت فلن تكون الثمرة طيبة الأكل والله الهادي إلى سواء السبيل.
المراجع
[1] القران الكريم،سورة يوسف، الآية 31.
[2] باروم، محسن أحمد وآخرون، 1407: المنهاج
الجديد في قواعد اللغة العربية وتطبيقاتها، للصف الخامس الابتدائي، الرئاسة العامة
لتعليم البنات، المملكة العربية السعودية.
[3] ظافر، محمد إسماعيل، وآخرون، 1418هـ: قواعد
الغة العربية، للصف الرابع الابتدائي ( الفصل الدراسي الثاني)، وزارة المعارف،
المملكة العربية السعودية.
[4] ظافر، محمد إسماعيل، وآخرون: 1418هـ، قواعد
اللغة العربية للصف السادس الابتدائي- الفصل الدراسي الثاني، وزارة المعارف،
المملكة العربية السعودية.
[5] ظافر ، محمد إسماعيل، وآخرون: 1416هـ.
القراءة والأناشيد للصف الثاني الابتدائي (الفصل الدراسي الأول)، وزارة المعارف،
المملكة العربية السعودية.
[6] القرني ظافر بن علي، وعثمان أبو بيه،
1417هـ: بعض معوقات التعريب: الأسباب وسبل الحل، المؤتمر السنوي الثالث لتعريب
العلوم، القاهرة مصر.
نشرت في ندوة تعميم التعريب وتطوير الترجمة،
جامعة الملك سعود، 2-3/6/1419هـ (22-23/12/1998م)، ص 81-92.