Are You suprised ?

بعض معوّقات التعريب: الأسباب وسبل الحل

 

د. ظافر بن علي القرني1

د. عثمان محمود أبو بيه2

1. جامعة الملك سعود كلية الهندسة

قسم الهندسة المدنية، ص ب  800

المملكة العربية السعودية، الرياض 11421

2. جامعة عين شمس، كلية الهندسة

قسم الأشغال العامة (المساحة)

مصر، القاهرة  11517 

 

 


الخلاصة:

 من المعلوم أن حال التأليف باللغة العربية لا يسر أبداً. ووراء هذا الحال ما وراؤه من الأسباب التي تستعصي على الحصر. لكن هذا لا يعفي المهتمين بحال اللغة العربية ومكانتها من طرح هذه الأسباب وإيضاح الطرق المثلى لمعالجتها حتى تخرج الأمة العربية من ساحة العجز  الفكري والتكنولوجي إلى ساحة العطاء والمشاركة مع أمم الأرض الأخرى. لذا يهدف هذا البحث إلى تقصي أسباب بعض المعوقات الأساسية في سبيل التعريب بصفةٍ عامة، و من ثمّ محاولة طرح  الحلول الملائمة ما أمكن أو إسداء بعض الاقتراحات المساعدة في إيجاد الحلول المناسبة لها. وحيث أنه لا يمكن الإلمام بكل الأسباب، من ناحية، ورغبةً في محاولة تصنيفها وحصرها من ناحية أخرى، فقد اقتصر البحث على نوعين أساسيين من الأسباب. أحدهما  عائد إلى خلل في النهج العلمي في المسيرة التعليمية لدى الخاصة، والآخر عائد إلى تدني مستوى الوعي المعرفي لدى العامة  الناطقين  باللغة بالعربية على مختلف مستوياتهم. يندرج تحت هذين النوعين أنواع أخرى فرعية سيأتي البحث على ذكرها ومناقشتها.

 

1.المقدمة:

بالرغم من ثراء اللغة العربية وسعتها وقدرتها على مسايرة مستجدات العصر، إلا أنها أبتليت بخصمين عنيدين منذ القدم. أحدهما عربي الملامح والآخر أجنبيها، أو قل خصم من الداخل وخصم من الخارج.  ولا غرابة في أن تبتلى اللغة العربية بأعداء فشانها في ذلك شأن كل متفوق. إنما الغرابة في أن تحارب من أهلها على جهل منهم، دون ما تبصير لهم من ذوي العلم. ولا يظن ظان أن هذه الحرب طارئة في زماننا هذا بل هي قديمة جداً. يقول عبدالرحمن بن عيسى الهمداني،  المتوفى 320هـ، في كتابه الألفاظ الكتابية : "ووجدت من المتأخرين في الآلة قوماً أخطأهم الأتساع في الكلام ، فهم متعلقون في مخاطبتهم وكتبهم باللفظة الغريبة، والحرف الشاذّ، ليتميزوا بذلك عن العامة، ويرتفعوا عن الأغبياء عن طبقة الحشو. والخَرس والبَكم أحسن من النطق في هذا المذهب الذي تذهب إليه هذه الطائفة في الخطاب. وألفيت آخرين قد توجهوا بعض التوجه، وعلوا عن هذه الطبقة، غير أنهم يمزجون ألفاظاً يسيرة - قد حفظوها من ألفاظ كتاب الرسائل - بألفاظ كثيرة سخيفة من ألفاظ العامة، استعانة بها، وضرورة إليها، لخفة بضاعتهم، ولا يستطيعون تغيير معنى بغير لفظه لضيق وسعهم، فالتكلف والاختلال ظاهران في كتبهم ومحاوراتهم......"[8] ص 12. من هذا يتضح أن مشكلة العربية ذات بعد تاريخي عميق، بل يمكن القول أن تتالي الأجيال لم يزدها إلا تتالٍ في العقبات مع تنوع في أشكالها. كما يتضح أيضاً بروز مشكلة النطق بالعربية منذ القرون الأولى في الإسلام. ولا شك أن هذه العقبة تزيد تفشياً مع مرور الأيام لتفشي العامية بين الناس في كل بلد. إن متكلم العربية الفصحى اليوم يكاد يكون منبوذاً بين الناس عامة. كما أن هذا النص يشير إلى ظاهرة مرضية أبتلي بها كثير من العرب وهي ظاهرة التعالي من بعضهم على بعض . قد يختلف نمط  هذا التعالي من عصر  إلى عصر حسب الظروف والمستجدات إنما النص الذي بين أيدينا حسم الجدال فيه.

            وبصرف النظر عن التعريف اللفظي والاصطلاحي للتعريب، فإنه يمكن القول إن النهوض بشأن اللغة العربية من شأنه النهوض بالتعريب بلا شك. فازدهار الأخير لا يمكن له أن يتزامن مع ضمور الأول. وعلى هذا فإننا هنا نحاول أن نتلمس المعوّقات -أو بعضها، فهي كثيرة ومترابطة ترابطاً وثيقاً- التي تحول دون تعريب العلوم على الوجه الأمثل. قُسمت هذه المعوّقات إلى نوعين رئيسين: أولهما عائد إلى خلل في النهج العلمي لدى ذوي الاختصاص ولنسمِ هذه هنا المعوّقات الأولية. وثانيهما يتعلق بمستوى الوعي لدى العامة الناطقين بالعربية وعلاقة ذلك بالنهوض بالتعريب ولنسمِ هذه المعوّقات الثانوية. سنتطرق في هذا البحث لكلا النوعين بالشرح والتفصيل موضحين أحياناً سبل تفادي ما نراه منها.

            ولا ندعي هنا أن ما نطرحه من معوّقات أولى من غيره بالنظر، فلا شك أن المعوّقات كثيرة ومتداخلة ، لكننا نزعم أن هذه بعضها، ونجزم أنها تستحق الأخذ في الاعتبار من قبل المعنيين بشأن اللغة العربية والتعريب.، حتى يتسنى لنا النهوض بشأن هذا الجانب من الحضارة نهوضاً متوازناً لا قصور فيه.

 

2. المعوقات الأولية:

سوف نتناول هنا المعوّقات الأولية في سبيل التعريب - التي نرى أهميتها- بشيء من التفصيل والتحليل، ويمكن تلخيصها بصفة عامة فيما ما يلي :

   ·   قلّة الاهتمام في التأليف بالعربية.

   ·   تقسيم طلاب المرحلة الثانوية إلى نوعين منفصلين.

   ·    المناهج التعليمية غير ملائمة لقدرات الطلاب.

   ·    قنوات الاتصال بين من لديهم الدراية بالتعريب وذوي الاختصاصات الأخرى معدومة.

   ·   الاحتفاء والتفاخر باللغة الإنجليزية أو الأجنبية بصفة عامة.

   ·   وصم كلام من تكلم من العرب دون دراسة منهجية بأنه كلام عامة.

 

2-1. قلّة الاهتمام في التأليف بالعربية:

إن عدم الاهتمام من كثير من الباحثين بالتأليف باللغة العربية واضح لا جدال فيه. ويمكننا سرد كثير من الأمثلة لكننا نكتفي بالظاهرتين التاليتين: الأولى، هي عدم الاعتناء بتوثيق النصوص كما ينبغي وذلك واضح في إهمال المراجع أو كتابتها بطريقة عشوائية ناقصة غير مرتّبة. ولأمثلة بلا شك كثيرة مما يجعل التمثيل لها يوحي بندرة حدوث  مثل هذا القصور مع إنه شائع. يلحظ هذا من يحاول الاستفادة من الكتب الهندسية المتاحة وغيرها ككتب التعريب مثلاً.

             فعند البحث عن تعريف عام وشامل للتعريب، على سبيل المثال، تتناول كتاب التعريب في القديم والحديث [3]. فتقرأ في صفحة 47 منه "....والتعريب هو نقل اللفظ الأعجمي إلى العربية، وليس لازاماً فيه أن تتفوه به العرب على مناهجها كما قال الجوهري، فما أمكن حمله على نظيره حملوه عليه، وربما لم يحملوه على نظيره بل تكملوا به كما تلقوه". وربما كان المقصود تكلموا به لا تكملوا به كما في النص. وعلى كل حال، عند الرجوع إلى المراجع لتتبع ما قال الجوهري لا نجد سنة طبع الكتاب فلا نعلم هل القول هذا حديثاً أم قديماً. دع عنك قول من يقول الناس تعرف في أي قرن عاش الجوهري، فالمعلومة هنا ناقصة. قد لا يكون للمؤلف يد في هذا، فربما كان الخطأ  تراكمياً من قبل. ثم إذا ما أستمرّ القارئ في القراءة، يجد التالي" واللغويون-مع ذلك- متفقون على أن العلم الأعجمي ليس بمعرّب بل يقال فيه أعجمي كما يقول الفيومي". فتبحث عن الفيومي فلا تجد له ذكراً في مصادر الكتاب. ونحن هنا لا نقوّم الكتاب ففيه من الجهد ما فيه، لكن الحاجة دعت إلى إيراد أمثلة على ما قيل فكان الأليق أن يؤتى بالمثال من موضوع التعريب.

            أما الظاهرة الثانية  فتتمثل في إهمال عمليات الترقيم ودمج الجمل في بعضها مما يجعل النصوص المقرؤة مملّة ومربكة. وهذا بيّن فيما نقرؤه من الكتب في شتى المجالات إلا ما ندر. كما يلاحظ وضع محتويات الكتاب في آخره مما يعسّر طريقة البحث عن موضوع محدد  إلا لشريحة معينة من الناس وهم قلة، على أن هذه لا ترقى لمستوى غيرها من العيوب.

 

2-2. تقسيم طلاب المرحلة الثانوية إلى نوعين منفصلين:

يحرص نظام التعليم القائم الآن على فصل الطلاب إلى علمي وأدبي أو ما أشبه ذلك، وفصم العلاقة فيما بينهما تماماً. ثمّ يفسّر العلمي بالرياضيات البحتة، والأدبي بالنثر والشعر. بل إنه يُشجع المبدعين من الطلاب على الدخول في المجال العلمي وترك المجال الأدبي، وذلك فيه خطأ شنيع وتهوين من شأن  مكانة لغة الأمة بطريقة غير مباشرة. هذه الحالة علّة متأصلة لا يمكن اجتثاثها إلا بتغيير جذري في هذا التقسيم وإلزام كل الطلبة بتعلم اللغة العربية بما يكفي لعرض أفكارهم ومناقشتها. فالفصل التام بين الاختصاصين يشلّ حركة اللغة العربية لدى القسم العلمي ، مما يعوق الطالب في الأتيان بلغة صحيحة يعبر بها عن القضايا العلمية التي يدرسها. هذا إذا أخذنا في الاعتبار اللحن واستخدام العامية من المعلم في الفصل.

 

2-3. المناهج التعليمية غير ملائمة لقدرات الطلاب:

ومثل هذا القول ليس اتهاماً بلا دليل إذ أن خريجو المرحلة الثانوية لا يملكون كثيراً من الأسس اللغوية  اللازمة لكل متعلم [7].ومن الأسباب الرئيسة في ذلك عدم مراعاة  المستوى التعليمي فيما يقدم للصغار من نصوص أدبية يفوق مستواهم وقدراتهم العقلية بمراحل. ولنضرب مثالاً على ذلك من واقع الحياة التعليمية في المملكة. كيف يمكن لطلبة الابتدائية والمتوسطة أن يعرفوا ما معنى تعريف الفقه لغة واصطلاحاً، ماذا تعني هذه الكلمات الثلاث (الفقه و لغة واصطلاحاً) للطفل؟. وكيف يتأتى لطالب المتوسطة أن يفهم معني "ترجمة الراوي". ما ذا تعني كلمة ترجمة هنا بالنسبة للطالب. ماذا لو قلّنا التعريف بالراوي أو من هو الراوي أو غير ذلك مما يتناسب ومستوى الطالب اللغوي والمقدرة العلمية لديه. وقس على ذلك مختلف التعريفات والتفريعات في التوحيد والحديث بما لا يتناسب ومستوى المتلقي بأي حالٍ من الأحوال.  والأمثلة على هذا كثيرة لا مجال لحصرها.

            ولو أخذنا كتاب القراءة والمحفوظات للصف الخامس الابتدائي [2]، لوجدنا فيه جملة ضمن مقطوعة عنوانها "طُرف علمية"، تقول  "...فمنهم من يذهب إلى أن النمل يحقن جسم الطائر بحامض فيه اللذة والحبور" وأخرى تقول "...وتستمرّ على هذه برهة..." ص18. ألم نسأل أنفسنا -ونحن نختار مثل هذا المقطوعة-  هل سيفهم الطالب المقصود بكلمات التالية: علمية وحبور وبرهة. ماذا لو عنّون النص بقصة، وقلنا فرحة بدلاً من حبور، أما برهة فهي لا تناسب الحال هنا معنى ومبنى. فالبرهة هي الحين الطويل من الدهر، وهذا غير المقصود من القصة التي بين أيدينا.

              ثم لو ذهبنا إلى التاريخ و الجغرافيا، كيف يمكن لطفل السنة السادسة أو ما حولها  أن يفهم معنى مبدأ "فرق تسد" الذي نهجه أعداء الأمة العربية من أجل السيطرة عليها. ماذا يعني له هذا المبدأ وهو لا يرى إلا المحبة والوئام بين أطراف عائلته وقريته بل وقبيلته أو مدينته. وماذا يعني للطالب في المراحل الأولى من دراسته أن يعلم أن البرازيل تصدّر البن و الهند تصدّر الهيل مثلاً. ثم لماذا هذا التصدير وما معناه له. وفي الجغرافيا أكثر من هذا كالحديث عن الطقس بأنه حار في فصل كذا في بلد كذا ونحن لم نعرّف الطالب بخواص الفصول الأربعة وما يحدث في بلدته خلالها، ليكون على علم ودراية ببيئته وليعلم متى يحل كل فصل ومتى يرحل. ثمّ ما جدوى إفهام الطالب الصغير بأن الطقس حار على خط الاستواء. كيف له أن يتصور هذا الخط في هذا السن المبكر.

            كما أن المناهج المدرسية المتاحة على الأقل في المملكة العربية السعودية لا تتيح إظهار التمايز بين الطلاب أبداً. وبالرغم من أن اللغة في أصلها موهبة تترقى بالسمع أولاً منذ الصغر، إلا أن المدارس النظامية لا تراعي هذه الأسّية في التعليم فهي تحتكر الطلاب في مستوى واحد ضاربة صفحاً عن الفروقات الفردية بينهم.

            وليس المقصود هنا أن تفرّغ المناهج من محتوياتها إنما المقصود  أن تستبدل بما يناسب العقول والفهوم، وأن تكون مبهجةً للطالب وملموسةً في حياته. ثم لا مانع بعد هذا أن يتدرج المنهج إلى ما هو أبعد بعد التأكد من أن الأسس قد بُنيت لدى الطالب. إذن، يتطلب الأمر  من المعنيين البحث عمن فيهم الكفاءة ولديهم الرّغبة في التعيير، إذ العملية مربكة وتحتاج إلى جهد عظيم وصبر أعظم. قد يقول قائل وما جدوى ذلك في التعريب ؟. فالجواب يسير وبدهي. إن من لم يفهم معاني ودلالات لغته الأم لا يمكنه بحال نقل ما يريده من العلوم إليها. بل سيكون عاجزاً عن أقل الإبداع في حياته العلمية ومقصّراً في الواجبات المناطة به ومربكاً لمن حوله ممن يحاول العطاء في عمله.

 

2-4. قنوات الاتصال بين من لديهم الدراية بالتعريب: وذوي الاختصاصات الأخرى معدومة.

هذه من المشاكل الظاهرة  التي سببتها النزعة القوية إلى التخصص دون الالتفات إلى الروابط المهمة بين التخصصات المختلفة. إذ  عندما تسأل ذوي الاختصاص الهندسي مثلاً عن إمكانية ترجمة علومهم التي يتقنونها  إلى اللغة العربية يتذرعون بعدم معرفة علم أو فن التعريب والترجمة. وعندما تسأل ذوي التعريب عن ذلك، يعتذرون لعدم معرفتهم بالتخصص الآخر. ولنفترض عدم القدرة في الإلمام بتخصصات مختلفة، فما هي القنوات  التي يمكن من خلالها التعاون المستمر والتشاور البناء  لردم هذه الهوة العميقة؟. إن هذه المشكلة قائمة  في جامعة الملك سعود، على سبيل المثال، رغم الجهود المبذولة لتخطيها ورغم إنشاء كلية اللغات والترجمة التي تعني بلغات متعددة من جميع أطراف العالم. إننا لا محالة مقبلون على سياسة المزج بين التخصصات ذات الصلة أو التي يحتاج بعضها بعضاً بدافع الحاجة شئنا أم أبينا. فلا أقل من أن نبدأ بتعيين نقاط الالتقاء والتمايز بين هذه التخصصات من الآن قبل فوات الأوان. كما أن على المعنيين بالتعريب عقد الندوات بصفة دورية لتبادل المعلومات، والتشاور فيما يجابهون من تحديات. 

  

2-5. الاحتفاء والتفاخر باللغة الإنجليزية أو الأجنبية بصفة عامة:

ولا ضير في هذا لو أنه لم يكن على حساب الإقلال من شأن اللغة العربية. لكن الجهل بالعربية أصبح يُغطى بالتباهي بمعرفة لغة غيرها. يقول الشاذلي القليبي في موضوع تعريب العلوم وقضية التنمية المضمّن في[4] ما نصه  "ومن هذا البعض من يعتقدون أن في إجادة لغة أجنبية مندوحة عن الإفصاح باللغة الوطنية. ولا نرى من يستسهل الاعتراف بجهله في أي حال، إلا إذا تعلق هذا الجهل باللغة العربية. وقد نرى من يعلن قلة درايته بقواعد اللغة العربية في مثل التبجح، فيأتي اللحن ويراطن مخاطبيه في شئ من الخيلاء. والأنكى من كل ذلك أن المجتمع العربي يبدو قابلاً لهذه المعايير، ضارباً صفحاً عن المؤاخذة باللحن وأنواع الرطنات، كأن لسان حاله يقول: العربية أصعب من أن يضيع وقته في تحصيلها من له مسئوليات سامية يقوم بها، أو علم جليل ينكب عليه"، ص 107.  إذا كان هذا هو الحال السائد، فكيف يمكن نقل الأمة من مرحلة الاستقبال إلى مرحلة العطاء المنظور.

             ومن مظاهر الاحتفاء غير المباشر باللغة الأجنبية التلميح من المثقفين بعامة إلى أن اللغة العربية لغة وأدب وشعر. مثل هذا التلميح قد يوحي بأن المسائل العلمية صعبة التناول بها. وأكثر هذا ظاهر في وسائل الإعلام المختلفة. كما أن دعوى من يصف اللغة العربية بأنها صعبة لا يجيدها إلا ذوو الاختصاص دعوى مردودة تتنافي مع شواهد دامغة كثيرة أولها نزول القران للناس كافة. كذلك وصف الشعر بأنه صعب وطويل سلّمه، وأن على الشاعر أن لا يقرضه قبل أن يحفظ ألف بيت من شعر من سبقوه، وغير هذا مما لا يقول به متبّصر.

 

2-6. وصم كلام من تكلم من العرب دون دراسة منهجية بأنه كلام عامة:

وهذا يحدث كثيراً، وما عليك إلا تتبع ما يكتب في الصحافة وفي كتب الأمثال المتأخرة  تجد فيها عبارات مثل "تقول العامة " و "يقول المثل الشعبي" وغير ذلك مما يتكرر على مسامعنا ليل نهار رغم فصاحة كثير منها ودقته. مع العلم أن العربية في أصلها ليست بعلم يتقن بالتدريس الذي ننتهجه اليوم. خذ هنا ما قاله أبو حيان التوحيدي في المقابسات، يقول: " والدليل على أن النحو والشعر واللغة ليس بعلم انك لو لقيت في البادية شيخا بدويا قحا محرما لم ير حضريا ولا جاوز أعجميا ولم يفارق رعيه الإبل وانبثاث المناهل وهو مع قبح هيئته التي لا يشق غباره فيها أحد وان كلف، فقلت له: هل عندك علم، لقال لا، هذا وهو يسيّر المثل ويقرض الشعر ويسجع السجع البديع ويأتي بما إذا سمعه واحد من الحاضرة وعاه واتخذه أدبا، ورواه وجعله حجة".  المقابسات ص 244   نقلا عن الدكتور  عبد السلام المسدي[6]. وربما قيلت العبارات المذكورة آنفاً للتهوين من شأن الخصم أو الضد وما درى قائلها بأنه يصنّف اللغة حسب القائل لا حسب المقول.

 

3. المعوّقات الثانوية:

ومن معوّقات النوع الثاني التي سنأتي على طرحها ما يلي:

   ·   عدم استعداد العامة لتقبل التحدث بالعربية.

   ·   انبهار العامة بمن يجيد لغة أجنبية وتأثر ذوي الشأن بذلك.

   ·   عدم إقبال من لديهم الرغبة في التعلّم وتطوير مهاراتهم على مناهل العلم.

   ·   تكافؤ  المميزات لدى كافة الناس في القطاع الواحد.

 

            ففيما يتعلق بعدم استعداد العامة لتقبل التحدث بالعربية، فلا يلمس ذلك  إلا من حاول وجرّب. ولو أقتصر الأمر على هذا لهان، لكن ربما تعداه إلى الاستخفاف بمن يتكلمها و الإصرار على اللحن فيها. والحل في هذه يكمن معظمه لدى وسائل الأعلام المختلفة وخاصة التلفاز والمذياع. فالواجب تشجيع الناس عامة على التحدث بالعربية والاحتفاء بمن يتحدث بها في أي زمان ومكان. كما أن شيئاً من الحل يكمن في طرق التعليم وذلك بعدم فصل الطالب عن بيئته التي يعيش فيها خصوصاً إن كانت عربية فصيحة وبعدم جعل الفصاحة في الدرس فقط واللحن فيما سواه مقبولاً.

            أما انبهار العامة بمن يجيد لغة أجنبية وتأثر ذوي الشأن بذلك فمأساة أيما مأساة. لقد بزّت الأمة العربية جميع الأمم في هذا العيب بلا شك، وتأثرت بنتائجه ثقافياً واجتماعياً تأثراً شديداً. والواجب علينا جميعاً غرس الاعتزاز في نفوس الناس بمن يتكلم العربية الفصحى من ذويهم، والتشديد على عدم الانبهار باللغات الأخرى مهما علا شأنها. ووضع الحوافز والمميزات العينية والمعنوية في متناول من يسعى لإخراج الأمة من هذا المأزق. 

            أما عدم إقبال من لديهم الرغبة في التعلم وتطوير مهاراتهم على مناهل العلم كالجامعات والمكتبات، فهذا خلل آتٍ من تصورنا أن دور العلم تكون للشباب فقط، أما ماعداهم من فئات المجتمع فوجودهم في مثلها غير لائق. والمعلوم أن نهوض الأمة لا يحدث في طبقةٍ منها دون أخرى، بل هو نهوض كلي يتأثر به كل الفئات بدرجات مختلفة، أو فلا يسمى نهوضاً، انظر [1] للاستزادة من هذا. لذا يجب علينا  عدم الأخذ بتكافؤ المميزات لدى العاملين في المستوى الواحد مما يقضي على روح التفوق وعلى الطموح في نفس الفرد المجتهد بينهم، يسع هذا المجالات كافة كما يسع  اللغة العربية والتعريب.  

 

4. النتيجة:

يستنتج مما عرض أنه لا يمكن النهوض بقضية التعريب ما لم ننهض بمكانة اللغة العربية واستخدامها كما ينبغي في شتى مجالات الحياة. فالتعريب قائم على عدة أركان معلومة بالضرورة. وبغض النظر عن وسائل التعريب المختلفة -بما في ذلك استخدام الحاسوب، إذ أنه لا يعمل أكثر مما يأمره به الإنسان أو ما يهيئه له-، فإن إجادة اللغة هي الركن الأول في عملية التعريب.  إذاً عدم إجادة اللغة كفيل بهدم مشروع التعريب كله. ولذلك انصب هدفنا هنا على بعض المعوّقات التي تحول بيننا وبين فهم  اللغة العربية فهماً يؤهلنا للتحدث وللكتابة بها كما يجب.

             ولا شك أن على الدول والجامعات والمؤسسات والأفراد حقوقاً يجب القيام بها كل فيما يخصه حتى يكون الجهد موفقاً ومثمراً. ولا حاجة بتفصيل ما على كل جهة من حقوق إذ ليس هذا مجالها، إلا أن المعوّقات المذكورة في هذا البحث تشير إلى الجهات المعنية بالأمر ولو بطريقة غير مباشرة. متى ما قام كل بواجبه ازدهر التعريب وتطور أيما تطور. فالازدهار في استخدام اللغة الإنجليزية اليوم على أشده، ولم يبق إلا حدوث مثله بالنسبة للغتنا العربية المجيدة. هذه اللغة التي لن نقول فيها  أكثر مما يقول الشعر [5]، فهو أبنها الذي من حقه أن ينافح عنها في أي زمان ومكان:

      

تعبت مـن التزييف والغثيانِ     ممن تـلفّع في ثـيـاب الـثاني

عربيـةٌ فـوق اللغات جميعها     محفوظةٌ بـمـفـصلٍ ومـثـانِ

حملت مراد  الله جلّ جـلاله         أتنؤ من معنى الضعيف الفاني

إن الذي يرتاب في قـدراتهـا     رجـلٌ به مـسٌ مـن الشـيـطانِ  

 

5-المراجع:

[1]حسن، سيد دسوقي، علي أحمد حمدي، عبد المجيد العبد، مارتن كين، تغريد عنبر، محمد صلاح عبد الكريم، وعارف أحمد رشاد ( 1405هـ). الترجمة قضايا ومشكلات وحلول: الترجمة للتنمية البشرية، مكتب التربية العربي لدول الخليج، ح. 4، 55 ص.

 

[2] ظافر، محمد إسماعيل، محمد رضوان، يوسف الحمادي، محمد            عطا، محمد شرف، ومحمد شفيع السيد (1410هـ)        القراءة والمحفوظات للصف الخامس الابتدائي، الفصل الدراسي الثاني، وزارة المعارف، المملكة العربية السعودية، 90ص.

[3] عبد العزيز، محمد حسن (1990م). التعريب في القديم والحديث، دار الفكر العربي، 428ص.

[4]العيسوي، بشير (1416هـ). الترجمة إلى العربية: قضايا وآراء. دار الفكر العربي، مصر.، 124 ص.

[5] القرني، ظافر علي (1417هـ). مشاعر بعثرتها الطفولة، ديوان شعر لم ينشر بعد. 

[6] المسدّي، عبد السلام (1417هـ). مساءلات فكرية: الإعراب في أدبيات التراث، الرياض، ع. 82301، في 21/جماد الأولى.

 [7] المعتوق، أحمد محمد  (1996م). الحصيلة اللغوية: أهميتها، مصادرها، وسائل تنميتها، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، عالم المعرفة، العدد 212، الكويت،          382 ص.

[8] الهمداني، عبد الرحمن بن عيسى (1406هـ). الألفاظ الكتابية، مراجعة السيد الجميلي، دار الكتاب العربي، الطبعة الأول، 189ص.

 

 

 

نشرت في سجلات المؤتمر الثالث لتعريب العلوم، برعـاية الجمعيـة المصرية لتعريب العـلوم، القاهرة، مصـر: 3-4/11/1417هـ.

 

 

عدد زوار الموقع

جميع الحقوق محفوظة 1426 هـ